السيستاني يجاري الحكومة عن اختراق خارجي ومقتدى الصدر يتخبط في مواقف دعم المحتجين.
 
كشفت الكواليس السياسية في بغداد عن إجماع شبه كامل من قبل الأحزاب، على ضرورة الاحتواء السريع للاحتجاجات الشعبية الواسعة، التي دخلت أسبوعها الثالث، من دون تحقيق أي من مطالبها.
 
ويمكن أن تسمع داخل ساحة التحرير، التي تحولت بمرافقها إلى أيقونة لحركة الاحتجاج، تقديرين مختلفين لدى المتظاهرين، يشير الأول إلى الإيمان بأن “تحقيق كل شيء”، ليس أمرا ممكنا، لتظاهرات شعبية عفوية، لكنها مهدت الطريق لتغيير واسع، قد يحدث إثر موجة تظاهرات أخرى، تقع في أي وقت خلال المستقبل القريب.
 
ويتحدث التقدير الآخر عن “ثبات” إلى حين تحقيق جميع المطالب، وهو بالنسبة للكثير من المراقبين، أمر بالغ الصعوبة، لاسيما بعدما بدأت الحكومة تستعيد المبادرة، وتسيطر تدريجيا على الأوضاع في بغداد والمحافظات.

وخف الدعم الذي كان المتظاهرون يحصلون عليه من المرجع الشيعي علي السيستاني الذي يفضل الآن أن يجاري نغمة الحكومة في الحديث عن أن التظاهرات مخترقة من جهات خارجية، فيما يتخبط الزعيم الشيعي مقتدى الصدر في مواقفه، بعدما تعهد بأن يكون ظهيرا لساحات الاحتجاج. وحتى النائبان اللذان أخذا على عاتقهما نصرة الحراك الشعبي، فائق الشيخ علي وأحمد الجبوري محاصران، فالأول بلا حصانة، بعدما رفعت عنه بسبب انتقاداته اللاذعة للحكومة، والثاني أحيل إلى لجنة السلوكيات في البرلمان، بسبب حديثه المستمر عن العنف ضد المحتجين.

واللافت، أن رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، ومعظم أركان الطبقة السياسية، لم يضيعوا فرصة للحديث خلال أزمة التظاهرات الأخيرة، إلا وأقروا ضمنا بفسادهم وسوء إدارتهم، مبررين فعل التظاهر من الأساس، وهو ما لا تدرك القوى السياسية، أنه يرتد عليها، فهو بمثابة دليل إدانة صريح، عند الجمهور.

ويقول عبدالمهدي إن “القوى السياسية والأحزاب كيانات مهمة في أي نظام ديمقراطي، وقد قدمت تضحيات كبرى لكنها سقطت في ممارسات خاطئة كثيرة، فالأحزاب يختارها الشعب لتحكم وفق مناهج محددة، لا لتتسلط أو تحتكر أو تستولي على الدولة والمجتمع”.

ويمثل حديث عبدالمهدي اعترافا خطيا، بأن الأحزاب التي رشحته لمنصبه هذا، متسلطة، وقد استولت على الدولة، لكن هذا الاعتراف مر من دون تفكر، بسبب تدني مستوى الاهتمام بكل ما يقوله رئيس الوزراء منذ بدء الاحتجاجات.

ويقر عبدالمهدي أيضا بأن “مرحلة ما بعد 2003 شهدت احتكار أحزاب تتحاصص السلطة وتمنع عبر النظم الانتخابية المصممة تصميما خاصا ووسائل التخويف والبيع والشراء تداولا حقيقيا للسلطة يجدد من شباب عمر الدولة، ما جعل البلاد أسيرة مسارات مغلقة تمنعها من التقدم وتشيع الفساد والمحسوبية والفوضى”.

لكن رئيس الوزراء يقول أيضا إن التظاهرات “ساعدت وستساعد في الضغط على القوى السياسية والحكومة والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لتصحيح المسارات وقبول التغييرات”، من دون أن يحدد سقف التغيير الذي يمكن أن تتقبله الأحزاب.

وليس تحديد السقف من قبل المراقبين، أمرا صعبا، بدلالة تمسك الأحزاب السياسية بجميع مصالحها، ورفض التخلي عن أي منها تنفيذا لطلبات المتظاهرين، حتى إذا كان الثمن قتل وجرح واعتقال عشرات الآلاف، وهو ما تشرع فيه السلطات العراقية القائمة راهنا.

ولأول مرة تقول ممثلة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت كلمة تنصف المتظاهرين منذ بدء حركة الاحتجاج، إذ علقت على أحداث السبت الدامية قائلة “تصلنا تقارير يومية عن عمليات قتل وخطف واعتقالات تعسفية، وحالات ضرب وتهديد للمتظاهرين”، مضيفة أنه “يتم انتهاك حقوق أساسية بشكل مستمر”. واعتبرت بلاسخارت أن “مناخ الخوف ليس سبيلا للمضي قدما”.

ويعكس التقديران الشائعان في ساحة التحرير، السيناريوهات المتداولة في الأوساط السياسية، إذ لم يعد الكثير من أركان الطبقة السياسية، يشعر بالقدر نفسه من الخشية، الذي كان يستسلم له قبل أيام، عندما كانت ساحات الاحتجاج العراقية تقدم مشاهد مليونية، لاسيما بعدما أتت النصائح الإيرانية، في مجال قمع الاحتجاجات، أكلها.

لكن ساسة آخرين ما زالوا حذرين في تفاؤلهم، برغم وصول قوات مكافحة الشغب إلى مشارف ساحة التحرير، حيث حصن الاحتجاج الأخير في بغداد، الذي تواطأت مختلف الأطراف على ما يبدو لتركه قائما بشكل مؤقت، بهدف استخدامه دليلا على الديمقراطية التي تزعم الأحزاب العراقية الموالية لإيران، أنها موجودة في العراق.

ويرى مراقبون أن مجمل الخطاب الحكومي عن التظاهرات في العراق يبدأ بالإشارة إلى أن الدستور يكفل حرية التعبير، وينتهي بسلسلة تهديدات لكل من “يتورط” في الإضراب عن الدوام أو الاعتصام في ساحة عامة أو الاقتراب من المؤسسات الرسمية، مع غياب تام لأي إشارة إلى مطالب المحتجين الرئيسية، وفي مقدمتها إسقاط النظام السياسي المتورط في الفساد وسوء الإدارة وتشريع قانون انتخابات عادل يسمح بصعود المستقلين والكفاءات إلى البرلمان، ويحد من هيمنة أحزاب الإسلام السياسي الموالية لإيران، على السلطة.

وعمليا، لم تبخل الحكومة العراقية بتنفيذ تهديداتها ضد المتظاهرين، إذ شنت جولة قتل جديدة في صفوفهم، طيلة مساء السبت، وصولا إلى فجر الأحد، قرب ساحة التحرير، التي يريد رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي تفكيك الفعاليات الاحتجاجية التي تشهدها بأي ثمن.

وقالت مصادر سياسية في بغداد إن عبدالمهدي تلقى نصائح إيرانية، بضرورة السيطرة على حركة المتظاهرين وسط بغداد، وإلا فإن حراكهم مرشح للتوسع، ما دفعه إلى الموافقة على رفع جرعة العنف الموجهة نحو جسر السنك، بهدف استعادته من المتظاهرين.

ولم تتوفر أي تقارير موثوقة عن عدد ضحايا عملية السنك، فيما قال نشطاء إنهم شاهدوا جثث تسعة قتلى، على الأقل، في الموقع المذكور.

وبينما تولت قوات مكافحة الشغب مطاردة المحتجين في ساحة الخلاني، كان المسلحون الملثمون قد اتخذوا مواقعهم في محيط ساحة التحرير، لتنفيذ عمليات الخطف ضد المتظاهرين، الذين عادة ما يذهبون إلى منازلهم إذا كانت قريبة، لأخذ قسط من النوم.

وأبلغ نشطاء عن اختفاء ثلاثة من زملائهم على الأقل صباح الأحد، بعدما تبين أنهم لم يصلوا إلى منازلهم بعد مغادرة التحرير.

ويهمس النشطاء في بغداد بأن ميليشيات عراقية موالية لإيران، نشرت الآلاف من مقاتليها في مختلف مناطق جانب الرصافة من بغداد، لتعقب المتظاهرين، واختطافهم.