مع صمود ثورة 17 تشرين الأول وترسخها في أنسجة الشعب والمجتمع ، وتخطيها مخاطر الولادة المستحيلة ، ها هي تواصل شقّ طريقها وتحقيق أهدافها بالنقاط ، وتستكمل زلزلة ركائز الطبقة الحاكمة وتتوسع يوماً بعد يوم لتشمل شرائح جديدة تنضمّ إليها من جميع المستويات..
أصبحت الثورة اليوم مشروع الشعب اللبناني لإنقاذ الوطن والمستقبل ، ولردّ ظلم أحزاب السلطة التي أكلت الأخضر واليابس ، وحوّلت لبنان إلى دولة مفلسة فاشلة.. تقبع في ذيل قوائم الدول في التقدم والإزدهار ، وتتربع على رأس قوائم الدول الأكثر تخلفاً وفساداً..
 
• رئيس الجمهورية أم رئيس تيار؟
كان أقصى ما وصلت إليه قريحة العباقرة المحيطين برئيس الجمهورية ، وعلى رأسهم الصهر جبران باسيل ، تنظيم تظاهرة تأييد إلى بعبدا ، كانت كفيلة بإسقاط ورقة التوت التي يتستر بها التيار ، وليظهر عجزه عن تحدي إرادة الشعب اللبناني. 
خلاصة المشهد أن الرئيس عون خاطب تيار بإعتباره شعب لبنان العظيم ، مستعيداً مشهدية التسعينات البائسة ، بينما وقف جبران يعتذر من أمه بعدما نالها من أغنية "الهيلاهو" الشهيرة ، وليلتقي مع عون حول طرح القانون الموحد للأحوال الشخصية ، والذي أدرك اللبنانيون جميعاً أنه طرحٌ مفخخ بإسم الدولة المدنية ، يطلقه أكثر الأشخاص طائفية ، كما وصفت سيدة بعلبك باسيل في مواجهتها الجريئة معه في بعلبك.
 
• الضغط على الجيش
 
حاولت أحزابُ السلطة منذ اليوم الأول إخماد الثورة ، فلجأت إلى الضغط على الجيش لضرب الناس وإستخدامه في القمع ، وزادت الضغوط على قائده العماد جوزاف عون ، بتهديده بإطلاق عشرة آلاف أزعر مسلحين بالعصي ومحميين بالمجموعات المسلحة ، إما أن يحسم الجيش أو يحسم الزعران الموقف.
يحاول "ضباط العهد" ، وهي تسمية إصطلاحية ، إحداث خروقات في سلوك المؤسسة العسكرية ، كما حصل في البداوي والعبدة وبعض المناطق الأخرى ، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل لأن العماد جوزاف عون متمسّك بالحفاظ على سلمية الإدارة للأزمة ، بالتوزاي مع ثبات الموقف الدولي الصارم بالحفاظ على حقوق المتظاهرين السلميين.
 
• الحريري: سقوط معادلة "أنا أو لا أحد"!
 
حاول الحريري إحتواء الموقف بدون تقديم الإستقالة ، بالمراهنة على الوقت ، فكان الوقت في غير صالحه وبات موقفه أكثر حرجاً.
سعى الحريري للضغط على الشارع السني ، فتمكن من "حبس" قسم من سنة بيروت عن التظاهر ، بوسائل الترغيب والترهيب ، ولكن بقية المناطق تحرّرت من ربقة الإرتباط السياسي الأعمى ، وسلكت طريق الإحتجاج والثورة..
عملت ماكينة الحريري على الترويج بأنه الضمانة الوحيدة للبنان وأنه لا يمكن إنقاذ البلد إلا بشخصه ، ولكن لم يغب عن وعي الناس أن الحريري كان على رأس السلطة التنفيذية قبل إنتخاب الرئيس ميشال عون وبعد إنتخابه ثلاث سنوات ، ولم يستطع تحقيق إنجازٍ يُذكر ، بل إنه غرق في غياهب التسوية ، فضاعت صلاحياته ليستولي عليها جبران باسيل بإسم رئيس الجمهورية ، وساد الخلل في القضاء وفي سائر المرافق.
أسقطت الثورة مقولة أنا أو لا أحد ، فبات الحريري غير ثابت ، وبات باسيل مرفوضاً في أي تركيبة حكومية ، وبات وزراء بري و"حزب الله" منبوذين.. ومجمل الطبقة السياسية أصبحت أمام إمتحان البقاء.
 
• "قانون" قتل الإخوة اللبناني
 
أطلق الحريري حروبه الصغيرة ضد أي مرشحٍ محتمل لرئاسة الحكومة ، مباشرة أو مداورة ، وكأنه نسي أنه قال في مؤتمره في السراي الحكومي حول الغضب السني إنه يحق لكل شخصية سنية أن تطمح لرئاسة الوزراء.
هاجم الذباب الإلكتروني الأزرق فؤاد مخزومي لأنه زار بعبدا وإلتقى الرئيس عون وبحث معه مسألة تشكيل الحكومة.
و"إتهم" الذباب نفسه ، المنطلق من جدران بيت الوسط النائب نهاد المشنوق بالقيام بزيارة سرية إلى القصر الجمهوري، ولقائه رئيس الجمهورية ميشال.
ورغم تأكيد المكتب الإعلامي للمشنوق أنّ هذا النبأ عارٍ عن الصحة، وأنّ النائب المشنوق لا يقوم بزيارات سريّة لأيّ كان، فإن الحملة من كوادر المستقبل وأنصارهم إستمرت مستخدمة كل وسائل التشهير والتشويه ، ربما رداً على سلسلة المواقف التي إتخذها المشنوق في محطات مفصلية تناولت تغوّل جبران باسيل وإعتدائه على صلاحيات رئيس الحكومة الصامت ، وعلى الموقف المؤيد للثائرين وإبدائه الإعتراض على موقف مفتي الجمهورية المتجاهل للثورة وعلى موقف بكركي الداعي للإلتفاف حول الرئيس عون بدل الإلتفاف حول مطالب الشعب.
 
دأب الرئيس نجيب ميقاتي على الدفاع الدائم عن الرئيس سعد الحريري ، بشكل مبالغ فيه أحياناً ، على خلفية الحفاظ على مقام رئاسة الوزراء ، ولكن عندما تعرض ميقاتي لحملة شرسة من أبواق "حزب الله" والنظام السوري وإعلامهما ، فإن تيار المستقبل لم يبادر إلى مساندة ميقاتي ، بل إن شريحة من مناصريه إنخرطوا في الحملة على ميقاتي ، رغم إدراكهم أنها تأتي على خلفية 
يتحرك الحريري في بيئته السنية وفق قانون إعدام الإخوة الذي إعتمده بعض سلاطين آل عثمان ، لضمان العرش والولاية ، فيقوم بالتصفية السياسية لأيّ منافسٍ محتمل وليبقى المرشح الدائم والوحيد للرئاسة الثالثة. 
 
الأسوأ في كل هذا أنه لا يزال يتعاطى مع جبران باسيل وكأن التسوية لم تتأثر بكل حراك الشارع ، فيستضيفه ثلاث ساعات مع الغداء ، رغم أن أوساطه كانت قد إعتبرت عدم إستقبال باسيل في بيت الوسط بسالة وشجاعة وإبرازاً لـ"العين الحمراء".
ورغم تمادي الرئيس عون في خرق الدستور وإشتراط الإتفاق على التأليف قبل التكليف ، مستولياً على صلاحيات الرئيس المكلف ، فإن هذه الممارسة المتمادية لم تلق أي إعتراض من الحريري.
 
• بري: الميدان لأبو خشبة والسياسة في المجلس
 
صمَتَ الرئيس نبيه بري طيلة أيام الثورة الأولى ، لكنه ما لبث أن بادر إلى إطلاق ما أسماه ثورة تشريعية للتعويض عن المراحل السابقة. لكن ثورته لم تلق صدى لدى الثوار ، خاصة أنه أشرف شخصياً على تدريبات مجموعات "أبو خشبة" التي نكّلت بالمتظاهرين في ساحتي الشهداء ورياض الصلح.
 
• حقائق أنتجتها الثورة
 
ومن هنا فإن هناك جملة حقائق لا بد من تثبيتها:
ــ سعت السلطة لتثبيت شرعيتها المهتزة عبر إعتماد معادلة "إحترام نتائج الإنتخابات النيابية" خلال عملية تأليف الحكومة ، وبهذا تلتف على إدارة الشعب الذي تظاهر وثار ، لأن تلك الإنتخابات المجوّفة ، لم تكن سوى نتاج قانون الإنتخاب المفروض بالإكراه ، كما تم إنتخاب عون رئيساً بالإكراه.
 
ــ من خلال صمود الثورة ، أصبح تكليف الحريري متراجعاً لدرجة تشبه الحسم ، وبدأ الحديث عن أنه يمكن أن يسمي رئيس الحكومة المنتظر.
والواقع يقول: إنه إذا كان الحريري غير قادر على تحمل المسؤولية ، فمن باب أولى أن لا يكون المحسوبون عليه قادرين عليها.
وإذا كان المطلوب حكومة أكفاء وإختصاصيين ، فإن الحريري وفريقه أبعد ما يكونون عن هذه المواصفات.
 
ــ لماذا يأخذ حزبٌ سياسي الأفضلية في السلطة دون سائر الأحزاب . فالمنطق يقول بخروج الجميع وبإفساح المجال أمام رئيس حكومة قادر وكفوء يتمكن من صياغة معادلة تجمع بين طموحات الثوار وبين مستلزمات الإقتصاد والبدء في بحث الإشكالية الأساس لتعطيل العملية السياسية وتدمير الإنتظام العام وتفشي الفساد ، وهو سلاح "حزب الله" في إطار إستراتيجية وطنية تعيد للدولة إعتبارها ولمكانة لبنان موقعها في العالم العربي وفي المجتمع الدولي.
 
ــ لم تكن ثورة اللبنانيين نتاج عنصر الضغط الإقتصادي فحسب ، بل إن ثورتهم جاءت ضد الصفقة الرئاسية المشؤومة التي أدخلت البلد في خلل هائل في التوازنات ، وسمحت بإزالة الخط الفاصل بين الدولة و"حزب الله" وكرّست الفشل في إدارة الإقتصاد ، فلم يبق مبرّر لبقائها.
 
 
• الثورة مشروع الخلاص
 
حان الوقت ليقتنع اللبنانيون بأن طرح الثورة "كلن يعني كلن" هو طرح واقعي وليس مجرد حلم ثوري ، لأن أطراف الطبقة الحاكمة تتساوى في السوء ولا فوارق بينها ، وهي أعجز من أن تجد الحلول لكوارث تسبّبت بها وباتت تهدّد إستقرار البلد ومستقبله على جميع المستويات.
وكما تم إسقاط الحكومة وفرض رقابتها على التكليف والتأليف ، فإن مسار التغيير قادرٌ على التصاعد وتحقيق النتائج ، وها هي الثورة تطوّر نفسها بأشكالٍ جديدة كل مرة ، وتنضمّ إليها شرائح جديدة كل يوم ، وها هي تُسقط سيناريوهات التهديد والوعيد ، وتعيد النبض للفقراء وللطبقة الوسطى وللشرفاء من أهل الإستثمار والمال ، بأنه حان الوقت لينالوا حقوقهم ، وللدولة بأن تستعيد سيادتها.