نهار الثلاثاء الثامن من أكتوبر الماضي، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتعهد بمعركة "من دون هوادة" في مواجهة ما سماه "الإرهاب الإسلامي"، وذلك خلال مراسم تكريم أربعة من عناصر شرطة باريس، الذين قتلوا في هجوم شنه فرنسي اعتنق الإسلام وتبنى أفكارا متطرفة بحسب محققين فرنسيين.
 
 
يمكن القطع بداية بأن الرئيس ماكرون قد خانه التعبير، حين جعل الإسلام وثيقا ولصيقا بالإرهاب، الأمر الذي فنده كثير من الفرنسيين أنفسهم، والذين اعتبروا المشهد مجرد خلل أمني داخلي، سمح لبعض المخترقين أيديولوجيا في الداخل الفرنسي بارتكاب جرائم قتل، كما فعل ميكائيل آربون، الشرطي الذي قتل ثلاثة من زملائه بسكين مطبخ.
 
على أنه مهما يكن من شأن الجدل الذي دار بشأن تصريحات ماكرون، فإن فرنسا وخلال الأسابيع الأخيرة، كانت الأعلى صوتا، لا سيما تجاه المخاوف الخاصة بانفلات إرهاب داعش مرة أخرى عقب الهجوم التركي شمال شرقي سوريا.
 
فرنسا وعلى لسان وزير خارجيتها جان إيف لودريان، حذر من خطر عودة ظهور داعش في سوريا والعراق، وشدد على أن التحالف الدولي عازم على منع  ظهوره مرة أخرى.
 
ما الذي يجعل فرنسا بشكل خاص في طليعة الدول الأوربية التي أخذت موقفا متشددا لأبعد حد من تركيا؟ وما الذي يمكن أن يخلفه تدخلها في سوريا من كوارث إرهابية جديدة شرق أوسطيا وأوربيا؟

هجوم إرهابي

من الواضح أن هناك من يتقصد فرنسا تحديدا، وجلي للعيان أيضا أن لدى الفرنسيين قصة كبرى لم تروَ تفاصيلها بعد، ربما لأسباب أمنية، تشير إلى أن باريس كادت مؤخرا أن تتعرض لهجوم على بعض منشآتها الحيوية، يكاد يشابه هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، لولا يقظة الأجهزة الاستخباراتية الخارجية والداخلية، والتعاون مع أصدقاء وحلفاء أجانب.

والشاهد أن فرنسا التي تمكنت من القبض على رجل خطط لشن هجوم، على غرار  الهجمات التي نفذت بطائرات على مركز التجارة العالمي، تواجه اليوم ومنذ عدة أعوام صعوبات في كيفية التعامل مع المتطرفين والمتشددين من الإرهابيين، الذين تبدت نواياهم القاتلة في عدد من الهجمات الإرهابية في أنحاء البلاد.

ففي 26 يوليو 2015 حدث هجوم استهدف معملا للغاز في بلدية "سان كانتان فالافييه" قرب مدينة ليون، أدى إلى مقتل شخص وإصابة 12 آخرين. وفي 13 نوفمبر من العام نفسه حدثت سلسلة هجمات إرهابية منسقة شملت عمليات إطلاق نار جماعي وتفجيرات انتحارية واحتجاز رهائن في العاصمة باريس.

وفي فبراير من عام 2017 حدث هجوم اللوفر، وبعده بشهرين جرت أحداث الشانزليزيه الإرهابية، وفي مارس 2018 نفذ ذئب منفرد موال لتنظيم داعش هجوما إرهابيا. وما تقدم هو عمليات أعلن داعش مسؤوليته عنها، وقبلها كانت هناك فواجع إرهابية، مثل حادث مسرح الباتاكلان، الأمر الذي جعل مسألة مجابهة الإرهاب الداخلي في فرنسا، وإغلاق الأبواب في مواجهة الإرهاب القادم عبر الحدود مسألة حياة ووجود بالنسبة لجموع الفرنسيين.

في هذا السياق، كانت فرنسا وفي الأول من يوليو الماضي تطلق أعمال أول نيابة عامة وطنية متخصصة في مكافحة الإرهاب، وتضم 26 قاضيا  تحت إمرة مدع عام، ومكرسة لشؤون الإرهاب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية بشكل خاص.

مخاوف فرنسية

وتعيش فرنسا هذه الأيام مخاوف متصاعدة بشكل غير مسبوق، خصوصا أن النسيج الاجتماعي للفرنسيين ربما أضحى هشا إلى الدرجة التي جعلت ميكائيل آربون الوثيق الصلة بحركات متطرفة في الداخل الفرنسي يغيب عن أعين أصدقائه وزملائه في الشرطة الفرنسية، وربما كانت هناك بالفعل صعوبة في المواجهة، ذلك أن التطرف كان "كامنا في قرارة نفسه"، وفق تعبير ممثل الادعاء الفرنسي المعني بمكافحة الإرهاب.

ولاحقا اكتشف رجال التحقيق أن المهاجم آربون تبادل 33 رسالة نصية مع زوجته قبل تنفيذ الهجوم، جميعها ذات طبيعة دينية، منها ما يشير إلى تأييده لبعض التجاوزات التي ارتكبت باسم الإسلام، وتبريره للاعتداء على صحيفة شارلي إبدو عام 2015 في باريس، وتبديل عاداته بخصوص ملابسه منذ بضعة أشهر.

ما يجري في فرنسا جد خطير، وقد أثار الحادث الأخير جدلا واسعا بين صفوف النخبة الفرنسية والعوام على حد سواء، وطالت الاتهامات وزير الداخلية كريستوفر كاستانير، الذي طالبه البعض بالاستقالة من جراء الفشل الذريع الذي جرى في وزارته، الأمر الذي لم ينكره الرجل، إذ أقر بوجود "خلل داخل أجهزة الدولة" من حيث عدم مراقبة آربون، رغم مظاهر التشدد والتطرف التي ظهرت على سلوكياته وتصرفاته المقلقة طوال السنوات الماضية، والتي كان أبرزها تبريره وقوع هجوم شارلي إبدو.

كانت الحادثة الأخيرة مدخلا جيدا ومريحا جدا لتيار اليمين الفرنسي، والذي زايد على المشهد من خلال طرح علامة استفهام أكثر خوفا وهلعا، وتتعلق باحتمالات حدوث اختراقات مشابهة لبعض من وحدات الاستخبارات الفرنسية الداخلية، أو الجيش الفرنسي، الذي يضم العديد من الأصول العرقية والدينية المختلفة، ووصلت مطالبات اليمين الفرنسي بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية للنظر في ملابسات اعتداء مديرية الشرطة، وهو ما يعني بقاء هذه القضية لأسابيع طويلة في صدارة المشهد  الفرنسي.

استنفار

وتبدو فرنسا اليوم في حالة مراجعة واستنفار كبيرين في مواجهة استحقاقات الإرهاب والتطرف الداخلي، فعلى سبيل المثال طالب رئيس الوزراء الفرنسي إدوارد فيليب بالقيام بتحقيقين لمراجعة أساليب استكشاف علامات الراديكالية والتطرف الديني في أجهزة الشرطة والدولة، وإلزامية الإعلان عنها خشية تكرار الحادث الإرهابي الأخير.

الحدث جلل بالفعل داخليا، وقبل الحديث عن مخاطر محدقة من الخارج ومتصلة بداعش، فالخشية كل الخشية التي تتبدى للمحققين في حادث آربون، أن يكون قد استفاد من طبيعة عمله وتمكن من نقل معلومات استخباراتية هامة لأطراف متشددة أخرى، كما يسعى المحققون للتحري عن وجود أشخاص ربما قدموا مساعدات مادية أو لوجستية للجاني.

الإرهاب الخارجي وداعش

الثابت أن فرنسا وفي أوائل أكتوبر أخذت خطوة غير مسبوقة عن بقية الدول الأوربية، فقد أصدر قضاة مختصون بقضايا الإرهاب مذكرات اعتقال دولية بحق زعيم داعش أبو بكر البغدادي، والمسؤول السابق في التنظيم أبو محمد العدناني، المسؤول عن عمليات التنظيم الخارجية.

ووفقا لهذه البيانات فقد صدرت مذكرات الاعتقال كجزء من تحقيق قانوني بدأ في فرنسا في 8 أكتوبر بشأن الاشتباه في إنشاء وقيادة جماعة إرهابية إجرامية.

وفي وقت سابق من شهر أغسطس الماضي، طالب محامو أقارب ضحايا هجمات باريس في 13 نوفمبر 2015 بإصدار مثل هذا الطلب ضد البغدادي، بدافع أنه "على  الأقل شريك" في هذه الهجمات.

حديث مذكرات التوقيف آنفة الذكر يدعونا للتساؤل: هل حقا كانت فرنسا تتطلع للقبض على البغدادي وما يعني أن لديها المقدرة أو الرغبة في ذلك بالفعل؟

ربما يحتمل الجواب العقلاني القول إن الفرنسيين وبهذه المذكرات يبدون إرادة غير مسبوقة في طريق مواجهة الإرهاب الداعشي الخارجي، والمرشح أن يعاود الكرة ثانية، بفضل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أعطاه قبلة الحياة بسبب هجماته على مناطق الأكراد التي تقع فيها سجون دواعش يعدون بالآلاف.

ولعل الإرهاب الذي ضرب فرنسا الأعوام الماضية قد سبب اضطرابا واسعا في روح الفرنسيين، الأمر الذي تبدى في تنازع إرادات حول إعادة الدواعش الفرنسيين إلى الداخل، انطلاقا من رؤية فرنسيين أصلاء، لا من مطالبات ساكن البيت الأبيض، وبين من يرى أن رجوع هؤلاء سيمثل خطر أكبر على الجمهورية الفرنسية.

قبل أسبوعين تقريبا حذر منسق قسم مكافحة الإرهاب في محكمة باريس قاضي التحقيق دافيد دو با، من تأخير إعادة المتطرفين الفرنسيين المحتجزين في سوريا بتهمة الانضمام إلى الدواعش، معتبرا الأمر تهديدا خطيرا للأمن العام الفرنسي.

وجهة نظر القاضي دو با هي أن الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في مناطق الأكراد، لا سيما بعد الانسحاب الأميركي من جهة، وعدم وضوح الرؤية بالنسبة للاتفاق التركي الروسي، وهل سيمضي إلى نهاية المسار من ناحية ثانية، تثير الخشية من أمرين:

هجرة غير منظمة للدواعش إلى أوربا مع خطر حصول هجمات ينفذها عقائديون متشددون من جهة.

وإعادة تشكيل مجموعات إرهابية مقاتلة مدربة ومصممة في المنطقة من جهة أخرى.

مصير الدواعش فرنسا في واقع الأمر تعيش جدلا داخليا كبيرا، إذ إن لديها حوالي 200 شخص، ومن ورائهم نحو 300 طفل جلهم ولدوا في ميادين الدواعش، وقابعون الآن في سجون يسيطر عليها الأكراد. وتبدو باريس أمام تسارع إرادات سياسية، بين وزير الخارجية لودريان الذي ذهب إلى العراق لمحاولة إقناع بغداد بالموافقة على محاكمة المتشددين الفرنسيين على أراضيها بعد نقلهم من سوريا، وبين رجالات القضاء الفرنسي الذين يرون أن مسألة إعادة المتطرفين هو تحد للأمن العام والعدالة على المدى البعيد، ويستلزم إرادة سياسية قادرة وراغبة في حسم وحزم مرة واحدة.

غير أن هذا الرأي يواجه ببعض العقبات التي تحول دون عودتهم كغياب الأدلة التي يمكن تقديمها في المحاكمات لإثبات جرائمهم، ليفرض ذلك إطلاق سراحهم لاحقا، الأمر الذي يعني تضاعف الخطر أضعافا مضاعفة عما هو الحال الآن.

والمقطوع به أنه أيضا في ظل مطالبات وضغوط من قبل ذوي ضحايا الهجمات الإرهابية بمحاكمة المتورطين، مع إجماع على اعتبارهم خائنين لوطنهم، تجد القيادة السياسية الفرنسية نفسها إزاء مهمة صعبة بشأن اتخاذ قرار نهائي بخصوص هؤلاء الإرهابيين.

ولهذا تبقى فكرة نقل الدواعش الفرنسين سواء للعراق أو للداخل الفرنسي مسألة مشوبة بمخاطر ومحاذير، وتظل غير محسومة ولا تحظى بإجماع ما بين الفرنسيين وبينهم البعض.

أما المتفق عليه من الجميع، فهو أن فرنسا ربما تكون عرضة في المدى القريب للمزيد من هجمات الدواعش، وجرائم الإرهابيين إلى حين إشعار آخر.