حتى لو أن «اللجنة الدستورية السورية» قد انعقدت فإنه من المبكر جداً التفاؤل بتحقيق أي إنجاز لحل هذه الأزمة التي بقيت تزداد تعقيداً وتفاقماً كل هذه السنوات الطويلة وحيث تحول هذا البلد الذي ابتُلي سابقاً ولاحقاً بأبشع الأنظمة التي عرفتها هذه المنطقة دموية وأكثرها سوءاً هو هذا النظام الذي تربّع على كرسي الحكم فيه بشار الأسد بضربة حظ وفَّرها له مقتل شقيقه الأكبر باسل بطريقة لا تزال تدور حولها تساؤلات كثيرة!

إنه ليس مهماً أن تنعقد هذه اللجنة، إنْ في جنيف أو في غيرها، ما دام هذا البلد بات ممزقاً على هذا النحو وأنه غدا يخضع لاحتلالات كثيرة: الاحتلال الإيراني، والاحتلال الروسي، والاحتلال الإسرائيلي، وأيضاً الاحتلال التركي... وكل هذا بينما الملايين من شعبه باتوا مشردين كلاجئين في أربع رياح الأرض وبينما سجون هذا النظام «تتْرعُ» بمئات الألوف من الذين بقوا على قيد الحياة ولم يلتحقوا بعد بالذين كان مصيرهم المقابر الجماعية المنثورة في كل مناطق الجغرافيا السورية.

لقد أصبحت تركيا الإردوغانية آخر المحتلين لهذا البلد العربي ولعلّ ما من المفترض أن يوجع قلب كل من فيه ولو مجرد ذرة من العروبة أن إردوغان، الذي جاء متأخراً قرناً كاملاً منذ زوال «الإمبراطورية» العثمانية، قد أعلن أن من حقه كوريث للعثمانيين أن يوجد كمحتلٍّ إنْ في ليبيا وإنْ في أي مكان كان مرَّ به أجداده العثمانيون خلال القرون الأربعة وأكثر من حكمهم المتخلف للعالم العربي إنْ في أفريقيا وإنْ في آسيا وإنْ في كل مكان. ثم وإنه من المبكر جداً الحديث عن انتخابات سورية رئاسية وبرلمانية وأي انتخابات أخرى ما دام «القُطر العربي السوري» بات ممزقاً سياسياً وجغرافياً وأنَّ الإيرانيين والروس والإسرائيليين والأتراك أيضاً والأميركيين قد أصبحوا «يتقاسمونه» وعلى هذا النحو بينما نظامه الذي كان رئيسه، الذي وصلت إليه الرئاسة بضربة حظٍّ، لا يسيطر سيطرة فعلية ولو على مجرد موطئ قدم حتى في دمشق نفسها... اللهم باستثناء قصر الرئاسة في المهاجرين الذي تتولى حراسته مجموعات من مغاوير الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

وهذا يعني أنه ما دامت الجغرافيا السورية، وللأسف، ممزقة وعلى هذا النحو وما دام أن «القطر العربي السوري» يخضع لكل هذه الاحتلالات فإنه من المبكر جداً الحديث عن انتخابات رئاسية وبرلمانية فيه في المدى المنظور حتى وإن كان «عَلم البعث» لا يزال يرفرف على بعض أبنيته الحكومية والحزبية حتى وإنْ كان من خَط الشيب شعر رؤوسهم وشعر لحاهم أيضاً يتذكرون ذلك الشعار البعثي القائل: «أمة عربية واحدة... ذات رسالة خالدة»! وهنا وما دام الشيء بالشيء يُذْكر فإنَّ عبقرية أحد رموز هذا الزمن الرديء قد تفتقت في لحظة انشراح عن إطلاق تصريح مدوٍّ «تناهشته» وسائل الاتصال الجماهيري قال فيه: إنه ستتم قريباً عودة سوريا إلى عروبتها... وذلك مع أن المعروف أن هذا البلد الذي كان يوصف ولا يزال بأنه «قلب العروبة النابض» لم يغادر عروبته وأنها لم تغادره على الإطلاق حتى خلال «الهيمنة» العثمانية التي طالت لأكثر من أربعة قرون قاسية، وخلال المرحلة «الصليبية» وأيضاً خلال الاحتلال الفرنسي... وإلى الآن وحتى هذه اللحظة.

إنه لا جدال إطلاقاً في أنَّ سوريا تمر الآن بلحظة تاريخية مريضة وصعبة لم تمر بها لا في عهد الفرنجة «الصليبيين» ولا في عهد المغول والتتار والعثمانيين وأيضاً الفرنسيين وفي الفترة اللاحقة، والمعروف أن البداية كانت انقلاب أديب الشيشكلي في عام 1949 الذي تلاحقت بعده سلسلة الانقلابات العسكرية وآخرها انقلاب حافظ الأسد على «رفاق دربه» في عام 1970 وحيث انتهى الأمر إلى ابنه بشار الذي رفع شعار: «سوريا المفيدة» التي غدت أوضاعها هي هذه الأوضاع المأساوية، وحيث باتت هناك كل هذه الاحتلالات، لكن ومع ذلك فإن عروبة هذا البلد لم تغادره ورغم أنه قد قدم منذ عام 2011 أكثر من مليون شهيد وأنه قد تم نثر أبنائه كلاجئين تجاوز عددهم الستة ملايين في كل أرجاء الكرة الأرضية وهذا بالإضافة إلى نزلاء السجون الذين تشير بعض التقديرات إلى أن عددهم قد تجاوز المليون سجين.

والمشكلة هنا تكمن في أن الأميركيين، حتى قبل التخلص من الإرهابي (أبو بكر البغدادي)، بات بعضهم يتحدث عن إمكانية التفاهم مع هذا النظام الذي في ضوء كل ما أصبحت عليه سوريا لا قرار ولا رأي له، وهذه مسألة باتت معروفة ومؤكدة، ثم فوق هذا فإنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غدت مرتبكة وليس لديها موقف واضح ومؤكد تجاه هذه الأزمة التي أصبحت شديدة التداخل والتعقيد، والدليل هو أن الأميركيين مرة يعلنون عن انسحابهم من هذا البلد انسحاباً نهائياً وتركه للمتدخلين الآخرين ثم لا يلبثون أن يتراجعوا، وهذا هو ما حصل مؤخراً بتكثيف وجودهم العسكري في دير الزور بحجة حماية مناطق النفط في هذه المنطقة.

إنَّ ما يجب أن تدركه هذه الإدارة الأميركية هو أن الشرق الأوسط بمعظم دوله، وبخاصة سوريا والعراق وتركيا ولبنان وأيضاً بعض الدول التي تعاني من أزمات «نائمة» قابلة للانفجار في أي لحظة، كان ولا يزال سابقاً ولاحقاً وحتى الآن أكثر مناطق العالم حيوية وأهمها وضعية استراتيجية، ولذلك فإن تركها للمنافسين الآخرين يعد «سذاجة» سياسية ستدفع ثمنها دولة تعدّ نفسها، وهي كذلك، أهم وأقوى دولة في الكرة الأرضية. وعليه فإن ترك سوريا للإيرانيين والروس وتركيا «التنظيم العالمي لـ(الإخوان) المسلمين» بقيادة رجب طيب إردوغان، ولإسرائيل أيضاً، يعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة حماقة فادحة لا يجوز أن ترتكبها دولة لها كل هذه المصالح الحيوية والاستراتيجية في هذه المنطقة، وحيث إن «الإبقاء» على هذا النظام الذي على رأسه بشار الأسد يعني ترك أبواب هذا البلد مفتوحة على مصاريعها للمزيد من التشرذم والاقتتال والحروب الأهلية وإفساح المجال لأي متدخلين وجعلهم يزدادون تدخلاً ويزدادون سيطرة على البحر الأبيض المتوسط وبخاصة شواطئه الشرقية – الشمالية.

ولذلك فإنه على هذه الإدارة الأميركية، المصابة بالارتباك تجاه هذه المنطقة، أن تدرك أن أي حلٍّ للأزمة السورية يُبقي على بشار الأسد ونظامه، سيكون فاشلاً وأنه سيؤدي إلى المزيد من العنف والاقتتال والمزيد من الإرهاب، وتجارب التاريخ البعيد والقريب تعزز هذا وتؤكده، والمثل العربي، الذي ربما أن الرئيس دونالد ترمب لا يعرفه ولم يسمع به، يقول: «السعيد من اتّعظ بغيره والشقي من اتّعظ بنفسه»!

وهكذا وفي النهاية فإنه لا أمل إطلاقاً في أي انفراج سياسي في سوريا ما دامت أوضاعها هي هذه الأوضاع المأساوية وما دام بقي هذا النظام الذي أوصلها إلى كل ما وصلت إليه، ولذلك فإنه غير متوقع وعلى الإطلاق أن تحرز اللجنة الدستورية، التي عدد أعضائها 150 عضواً غالبيتهم يمثلون بشار الأسد ونظامه، أي تقدم بالإمكان المراهنة عليه، ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن رئيس النظام السوري قد بادر إلى قطع الطريق على هذه اللجنة بالقول في تصريح له: إن أي تعديل للدستور، أي الدستور السوري، يتعارض مع مصلحة الوطن سنقف ضده! ولذلك فإن الأفضل والأجدى هو العودة لإنعاش ما تبقى من المعارضة السورية التي كانت قد أُصيبت بداء «الشرذمة» مبكراً، وحيث وصل عدد تنظيماتها إلى ألف تنظيم معظمها تنظيمات وهمية لا وجود لها... وللأسف!