المصالح السياسية والاقتصادية تدفع جنرالات الحرس الثوري للبحث عن مبررات تعلل وجودهم في المستقبل.
 
ما مصير الحرس الثوري الإيراني بعد مرحلة علي خامنئي؟ وكيف يمكن أن يستنبط هذا الجهاز القوي في طهران مبررات جديدة يسوّقها للحفاظ على بقائه مع تبدّل المتغيرات داخليا وبمعاقله في لبنان والعراق، بطريقة أسهل إن أكثر ما يطرح اليوم في إيران من سيحمي من؟ الحرس الثوري سيحمي خامنئي أم العكس؟
 
لقد فرض تطور شعارات الاحتجاجات في العراق وجوب النظر إلى المسألة المعقّدة لا فقط من جهة ما يدور من حديث عن مطالب المتظاهرين الاقتصادية والاجتماعية، بل إلى ما يرفع من شعارات سياسية تطالب برحيل الطبقة السياسية الموالية لإيران، ونفس الشيء ينطبق أيضا على لبنان أين يتخبّط حزب الله لضمان استمرار وجوده في الحكم.
 
ويلخّص الشعار الذي رفعه المحتجون في كربلاء المعقل الهام لإيران “كربلاء حرة حرة وإيران على برة” حقيقة ما يحصل من انتفاضة تتمرّد على قداسة المرجعيات الدينية داخل العراق وخارجه، ما ينبئ بحركة تحرّر من هيمنتها.

في كل هذه التطورات المتزامنة في السنوات الأخيرة مع تواتر الأخبار عن مرض خامنئي وبداية البحث عن مرشد ثالث للثورة الإسلامية، توجّه الأنظار حاليا نحو ما يخطط له الحرس الثوري عن مبررات أو مخارج تضمن له تواصل الوجود والنفوذ بعد مرحلة خامنئي.

إن الحرس الثوري الإيراني الذي اخترقت أذرعه أنظمة دول عدة في المنطقة، وخاصة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، والذي يناهض بجبهة داخلية في إيران، بات يسابق الزمن للبحث عن هدف جديد بمجّرد رحيل علي خامنئي الذي وجد فيه سابقا مبررا قويا لإقناع الداخل في طهران بأنشطته بعدما كانت العلاقات بينهما في البداية مضطربة وقوامها انعدام الثقة بين الطرفين.

وتشير كل المعطيات في الوقت الذي تحاصر فيه إيران بعقوبات وتهديدات واشنطن وكذلك بوادر الانتفاضات على سياساتها في العراق ولبنان إلى أن كلا الطرفين خامنئي والحرس الثوري الإيراني يراهنان على بعضهما البعض، فكل طرف منهما يحاول الآن ضمان وجوده بالاحتماء بالآخر.

بنفس الطريقة التي كان فيها ظهور خامنئي كمرشد للثورة الإيرانية محاطا بجنرالات من الحرس الثوري الإيراني، ظهر مؤخرا في خطاب ألقاه بتاريخ 2 أكتوبر أمام كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، داعيا إلى الاستعداد “للأحداث الكبرى”.

واعتبرت كلماته تحذيرا لخصومه في الداخل مثل الرئيس حسن روحاني، والخصوم الأجانب ممّا يجعل اختياره التحدث عن رهانات نظامه أمام قادة الحرس الثوري ليس محض صدفة.

هذا الرهان المتبادل من كلا الجهتين أي المرشد خامنئي والحرس الثوري الإيراني سلّط عليه الضوء تقرير صادر عن الموقع الأميركي “فورين بوليسي” الذي عاد على مختلف مراحل تطور العلاقة بين الطرفين منذ ظهور خامنئي كمرشد للثورة الإيرانية.

ويؤكّد التقرير على أن ما يزيد في أهمية البحث في طيات هذه العلاقة أن هذا العام يصادف الذكرى الثلاثين لتسلّم خامنئي لمنصبه. فرغم انطلاقته المتعثرة، كان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية سريعا في وصوله إلى صفقة مع الحرس الثوري الإيراني الذي لم يكن واثقا فيه.

ويشير إلى أن المدنيين في إيران كانوا من أهم قواعد خامنئي، ويمكن القول بأنهم كانوا هدفه الأكبر. ولذلك الآن هو يراقب وحلفاؤه روحاني وأبناء تياره الذي يدعي أنه معتدل وهم يروّجون لأنفسهم كدعاة للتغيير السياسي التدريجي في إيران لخوضهم معركة ضد الحرس الثوري الإيراني.

لكن الرئيس حسن الروحاني وصف أول برلمان في الجمهورية الإسلامية (1980-1984) بأنه الأكثر حرية وتمثيلا لرغبات الشعب بتمكينه الشيوعيين وغيرهم من غير الخمينيين من الفوز بمقاعد في الانتخابات. وهو ما اعتبر هجوما مباشرا على مجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه خامنئي والذي يتمتع بسلطة الموافقة على أي مرشح يرغب في التقدّم لخوض سباق الانتخابات.

وكان الرد على روحاني سريعا، وواجه انتقادات بسبب مشاركته في ما يوصف بلعبة “أعداء إيران” من خلال التشكيك في شرعية النظام.

لم يستجب خامنئي للانتقادات الموجّهة ضدّه. وما زاد في الاحتقان ضدّه في وقت تستعد فيه إيران لإجراء انتخابات برلمانية عام 2020 هو أن روحاني تصدّر المشهد بإعلانه أن على الناخبين عدم توقّع أي شيء منه لأنه لا يتمتع بالسلطة. وقال في خطاب آخر “ماذا تريدون من شخص لا يمتلك السلطة بين يديه”؟ ويبقى تشديد روحاني على أنه “لا يمكن تحقيق أيّ تغيير في إيران حتى يتم تغيير طريقة توزيع السلطة” ضربة لخامنئي وحرسه الثوري.

وتبرز رغبة روحاني في ترك مسافة تفصله عن المرشد الأعلى. ومردّ ذلك سببان وراء رغبته في الابتعاد عن خامنئي، أولا، لا يريد روحاني أن يتحمّل كل اللوم على مشاكل بلاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ثانيا، يحاول بناء سمعته باعتباره “معتدلا” مما سيجعله يبدو مختلفا من بين المرشحين لخلافة المرشد الأعلى الحالي.

إلى جانب كل التطوّرات الإقليمية تعدّ تصريحات حسن روحاني تحديا للحرس الثوري والعقد الذي يبقيهم في السلطة. وقد يكون هذا السبب وراء دعوة خامنئي إلى أن يفكر الحرس الثوري الإسلامي خارج الصندوق، وأن يكون مستعدا لـ”الأحداث الكبرى”.

كل هذا يجعل من كلمته أمام قادة الحرس الثوري دعوة عامة إلى التيقظ من الذين يطالبون بالإصلاح السياسي، والذين قد يرون في مشاكل النظام فرصة مناسبة لتصعيد المواجهة ضد نموذج اشتراك خامنئي والحرس الثوري الإيراني في الحكم.

ويرى مراقبون أن في تكليف خامنئي لجنرالات الحرس الثوري الإيراني بأن يكونوا حماة الثورة تفويضا لهذا الجهاز لامتلاك الصلاحيات الكافية لتصنيف أي شخص يقف في طريقه كمعاد للثورة.

لكن تفويض الحرس الثوري الإيراني المطلق لمواجهة أعدائه وأعداء خامنئي لا يخلو من المخاطرة. حيث يشير التصعيد المتزايد بين حكومة روحاني والحرس الثوري، بما في ذلك التسريبات والمعلومات المضللة والتهم اليومية لبعضهما البعض بتقويض المصلحة الوطنية، إلى احتمال أن تخرج هذه المنافسة عن السيطرة.

يواجه الحرس الثوري الإيراني من جهته قلقا أكبر بكثير مما واجهه عام 1989، إذ ينظر إليه اليوم باعتباره العامل الرئيسي للقمع في إيران. كما تورط كبار أعضاء الجهاز في فضائح سياسية وفساد مختلفة، مما يزيد من تركيز الغضب العام على طبيعة الهيئة الضارة ودورها كعقبة أمام الإصلاح السياسي.

ويرجّح أن يطلب خامنئي من الحرس الثوري الإيراني اتخاذ وضعية الهجوم في الداخل والخارج. لكن الجهاز قد يدرس مصالحه طويلة الأمد، وما إذا كان ينبغي عليه مهاجمة حكومة روحاني والجمهور الإيراني أو البدء في التفكير في صيغة جديدة للحفاظ على مصالحه السياسية والاقتصادية، في وقت تنظر فيه إيران إلى ما بعد عهد خامنئي.

علاقات تاريخية حين صعد اسم علي خامنئي ليخلف مؤسس النظام روح الله الخميني عام 1989 كانت مهمته الصعبة متمثلة في السيطرة على الشوارع وإقناع الجمهور الإيراني بأنه زعيم جديد شاب، لكنّه قادر على تحمل المنصب. وهو ما دفعه إلى طلب مساعدة الحرس الثوري الإيراني.

وعرض خامنئي على الحرس الثوري صفقة تمثّلت في حماية قيادته العليا مقابل منحهم غطاء سياسيا لمتابعة مصالحهم بما في ذلك القدرة على التمتع بأموال من الميزانية الوطنية، وبحصة كبيرة في الاقتصاد الإيراني، وبفرع استخباراتي منفصل وقوي لمنافسة وزارة الاستخبارات والأمن القومي، وبحق النقض في مسائل السياسة الخارجية الرئيسية.

ولم يكن التحالف بين الطرفين في البداية طبيعيا. فعلى مدى فترة ثمانينات القرن الماضي، كان الحرس الثوري الإيراني يشكك في خامنئي الذي كان يشغل منصب رئيس إيران، ولا يعتبره من بين رجال النظام الجديرين بالثقة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية.

ووصل الأمر بين الطرفين إلى حد منع الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية خامنئي من زيارة خط الجبهة الأمامي. بعد الحرب وموت المؤسس الخميني، أراد الحرس الثوري أن يحافظ على أهميته. وعرض عليه خامنئي دورا قياديا. ورفض في تلك الفترة العرض بصفة قطعية.

وعندما أراد خامنئي أن يساعده الحرس الثوري في تعزيز هدم المؤسسات المهتزة التي بنيت حول الخميني، لم يكن أمامه بديل آخر. وهكذا، كان أول ظهور علني له كمرشد أعلى في تجمّع لضباط الحرس الثوري.

ومنذ تلك اللحظة أصحبت العلاقة بين الطرفين وثيقة، حيث قال خامنئي أمام الضباط في كلمة عام 1989، “دون الحرس الثوري، لا يمكن الدفاع عن الثورة”.