... إذاً يتَّجه لبنان سريعاً إلى مكانٍ خطِر. فقد انكشف أنّ السلطة ليست إطلاقاً في وارد تقديم التنازلات، لأنّ هناك معطيات استراتيجية إقليمية وأخرى داخلية صغيرة تفرض عليها القتال حتى النهاية. لذلك، دخلت الانتفاضة مرحلة جديدة، أكثرَ قوةً. وهكذا، فإنّ عامل الوقت يزيد التباعد بين الطرفين. وصار واضحاً أنّ الجميع ذاهبون بإرادتهم إلى احتمالاتٍ كلها سلبية.
 

أصبح ضرورياً أن يرى المحللون أنّ هناك كياناً جديداً داخل المعادلة اللبنانية، اسمه «الانتفاضة». وحتى الآن، تبيّن أن لا مجال للقضاء عليه أو إزاحته بأي وسيلة كانت. فالانتفاضة التي جرت المراهنة على إخمادها في الأسبوعين الأولين، أو بعد استقالة الحريري، عادت وانطلقت أكثر زخماً واتساعاً، وهي آخذة في الصعود لا التراجع.
لماذا؟ وكيف استطاع الناس في لحظة أن ينظّموا صفوفهم وينتفضوا على تركيبة الفساد التي يزيد عمرها عن عمر الاستقلال؟

سيتبلور الجواب يوماً بعد يوم. ولكن، غالباً، في النماذج المعروفة وآخرها «الربيع العربي»، هناك ظروف داخلية وخارجية، سياسية واقتصادية واجتماعية، قد تؤدي إلى دفن الانتفاضة أو الثورة أو قد توصلهما إلى الانتصار... وإلّا فإنّها تقود إلى المواجهات الأهلية، كما هي الحالات العربية المعروفة.

تقع المواجهة عندما ينعدم التفاعل والحوار الحقيقي بين السلطة والمنتفضين. وهذه الحقيقة لا يزال أركان السلطة في لبنان يتعامَون عنها حتى الآن. وهي مصدر الخطر الأساسي على لبنان حالياً. فالانهيار المالي والتصادم الأمني في الشارع سيكونان نتيجةً حتمية للفراغ السياسي، وليس العكس. 

وثمة مَن يعتقد أنّ الخطر بات محتوماً، لأنّ السلطة تنحدر في المنزلق بإرادتها، ومن دون أن تقيم حسابات لعواقب الذهاب نحو الهاوية، ومعها البلد بأسره، ولأنّها لا تريد مقاربة مطالب الانتفاضة لا من قريب ولا من بعيد. 

الأسوأ أنّ «النظرية» المتداولة بين أركان السلطة، هي الآتية: ممنوع أن نتنازل. فإذا قدَّمنا أدنى تنازل للمنتفضين، فإنّهم سيطالبون بأكبر منه… وهكذا دواليك حتى إسقاط السلطة من أساسها، أي السلطة بمضمونها السياسي، وهذا ما يهدفون إليه. 

ولذلك، يصرُّ أركان السلطة على لعب ورقة واحدة هي إحباط الانتفاضة والتخلّص منها باتّباع أساليب مختلفة، على أن يشغلوا الرأي العام بعناوين عامة وبأوهام البحث عن حلول. 

وتتنوَّع الأساليب المتبعة لإحباط الانتفاضة. ومنها مثلاً، المراهنة في البداية على أنّ الانتفاضة «مزحة» عابرة وستنتهي سريعاً من دون أن تقدِّم لها السلطة أي تنازل. ثم المراهنة على تيئيس المنتفضين وإتعابهم في الشارع. 

ثم تصوير المنتفضين وكأنّهم «قُطّاع طرق» وتشويه صورتهم. ثم ترويعهم بالزعران، ثم دفع الأفراد والجماعات لتفتعل المواجهات معهم. وثمة مَن يعتقد أنّ بعض أركان السلطة كانوا سيحاولون استخدام القوى العسكرية والأمنية لقمع الانتفاضة، لو كان المناخ الدولي يسمح بذلك.

أما في الشقّ السياسي من المناورة، فيحاول هؤلاء أن يرموا في سوق التداول بعض العناوين والشعارات، ومنها مثلاً «ورقة الإصلاحات» الوهمية، وبعض الوعود الإصلاحية القديمة غير القابلة للتنفيذ حتى إشعار آخر... فيما الاستشارات التي هي أول الطريق، والتي كان يُفترض إجراؤها تلقائياً بعد استقالة الحريري، بقيت تنتظر بلا مبرِّر منطقي. وهو ما يؤكّد أنّ في الأمر مناورة لا أكثر، وأنّ لا حكومة جديدة في الأفق.

إذاً، البلد وصل إلى المواجهة المحتومة لأنّ أوراق الجميع مكشوفة، وهي تختصر بالآتي:

1- أركان صفقة 2016 يتجنَّبون السقوط لأنّه سيكون مكلفاً جداً عليهم. فهذه الصفقة صنعها طرفان أساسيان: الأول هو «حزب الله» الذي له السلطة في السياسة والأمن، والثاني هو الشركاء المحليون الذين لهم هامش الأرباح في التفاصيل الداخلية. 
واليوم، لا «الحزب» مستعدّ لخسارة نفوذه في السياسة والأمن، لأنّ ذلك يُبعد لبنان عن المحور الإيراني. ولا الشركاء يجرؤون على خسارة «التفاصيل» على أنواعها، وتعريض أنفسهم للمحاسبة والمراقبة.
2- المنتفضون لن يتراجعوا إطلاقاً. وعلى العكس، هناك دلائل إلى أنّهم سيمضون في التصعيد. وعمليات الضغط التي يتعرّضون لها أدّت حتى الآن إلى تقوية الانتفاضة لا إضعافها.

ويتعامل «حزب الله» مع المسألة باعتبارها معركة حاسمة، لا يمكن أن يستكين إزاءها. وكذلك شركاؤه في السلطة، الخائفون من أن يكون سقوطهم عظيماً. وكذلك المنتفضون الذين ما عادوا قادرين على التراجع. 
إذاً، إلى أين سيصل الجميع، ومعهم البلد، ما داموا جميعاً يعتبرون المعركة حاسمة؟

البعض يقول إنّ الانهيار الاقتصادي سيكون هو الاستحقاق الأسرع، لأنه حقيقي وداهم وكل عناصره حاضرة. وعندما يفرض نفسه، سيصرخ الجميع من الوجع. لكن البعض الآخر يقول: الخطر الأمني قد يكون داهماً أيضاً. ولا يجوز الرهان على المناعة الأمنية إلى ما لا نهاية. فبعض المظاهر مثير للقلق. 

وتكْبُر هواجس المواجهة الأهلية عندما يتذكّر المراقبون أنّ بعض الممسكين بالسلطة قد يدافعون عنها مهما كلّف الأمر. ويتذكرون أيضاً أنّ الانهيار الاقتصادي- الاجتماعي هو أيضاً مفتاح للمواجهة الأهلية. 

أليس هذا ما حصل في لبنان من فتنة 1860 إلى فتنة 1975 وبينهما وبعدهما؟ وهل ما زال المجال متاحاً لتجنّب الانتحار؟