قدرتنا على تخيل الذكاء الاصطناعي ليست حديثة بل تعود إلى العصور القديمة؛ الى ما قبل اختراع الهواتف الذكية وحواسيب الكوانتوم بآلاف السنوات، حين عبّر الاغريق عن تهيؤاتهم وأفكارهم حول الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

"آلهة وروبوتات: الأساطير والآلات وحلم الاغريق بالتكنولوجية". اسم كتاب كبير في عالم الروبوتات، كتبته الباحثة في الحضارة الاغريقية اندريا مايور. يعيد الكتاب بناء تصورنا لتاريخ الروبوتات وصناعتها. واحدة من النقاط الكبيرة التي يكشفها الكتاب هي أنه إذا كانت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مسرحاً يصنعه البشر الآن لتلبية احتياجاتهم الحياتية والبحثية الراهنة فعند الاغريق كانت الروبوتات لعبة الآلهة في الحرب. وصراع على بقاء نمط ديني بوجه نمط اخر.  

الحديث عن روبوتات وخوارزميات وذكاء اصطناعي يعيدنا بالضرورة مئات السنين الى الماضي بالتحديد إلى عالم الرياضيات الكبير محمد بن موسى الخوارزمي وإلى الحقبة التي كان فيها الفنان والعالم الموهوب ليوناردو دافينشي على قيد الحياة. في تلك الحقبات الزمنية وضع الخوارزمي اصول الحوسبة، وعلى الطرف الآخر كان دافينشي يصنع روبوت بإمكانه تلوح يده وتحريك فكيّه. يمكن القول إن ما فعله الرجلان مع علماء آخرين، كان أولى المحاولات الحقيقية لتنشيط الحديد عبر الحوسبة ومنح المعدن حركة ذاتية من خلال الرياضيات والفيزياء. قد يسأل بعضنا متى كانت المرة التي لفظ بها مصطلح روبوت؟ الجواب: انه حديث النشوء عمره من عمر مسرحية "أر يو أر" (Rossums Universal Robots) للمسرحي التشيكي كارل كابيك التي عرضت في براغ للمرة الأولى عام 1921. لكن، ثمة روبوتات في الحضارة الاغريقية تستحق التوقف عندها.

فكرة الروبوتات المجردة وابتكار آلة ذكية ذاتية التفكير والحركة تشارك الإنسان حياته ظهرت للمرة الأولى لدى الكهنة الإغريق في سياق علاقتهم مع الهتهم. هذه الآلهة التي "خلقت" الأبطال والأساطير والوحوش، "لم تخلق روبوتات" بل صنعتها. يتوقف الكتاب عند أربع كائنات ابتكرها هيباستوس إله النار والحديد والاختراعات ونجل الاله الأكبر زيوس. ابتكر هايباستوس كائنات حيوية كباندورا، وتالوس، وبروميسيوس ودايدالوس، أما الفتاة الساحرة مديا فكانت ابنة الملك اييت، وحفيدة إله الشمس. لديها امتيازات كائن السايبورغ. هي من قتلت "تالوس" العملاق الآلي الخارق المصنوع من البرونز وكانت مهمته حماية جزيرتي أوروبا وكريت اللتين كان يدور حولهما ثلاث مرات في اليوم. لم تولد كبقية الفتيات بل تم صنعها بقدرات خارقة.  

كان اختراع هذه الشخصيات الخارقة يحصل بطلب من الآلهة وكانت بدورها تطلبهم بمواصفات محددة. وبحسب الكتاب تمثل هذه الشخصيات صورة بدائية للروبوتات، لأنها تمتلك قدرات تفوق الإبداع البشري ولديها مهارات فنية رائعة وتشبه إلى حد بعيد ما نعرفه عن الروبوتات حالياً، تقدم قصة تالوس، التي ذكرت للمرة الأولى في الأسطورة "اورغونوتيكا"، قبل حوالي عام 700 قبل الميلاد، واحدة من أولى التصورات للروبوت. تالوس رجل برونزي صنعه هيفايستوس. كان لدى العملاق أنبوب يمتد من رأسه إلى أسفل قدمه، ويمر بداخله نظام تشغيل إلهي. في الأسطورة تظهر ألفاظ جديدة لوصف ما يمثله تالوس، فهو مُنتج "تكنو"، وهو كذلك الأمر "Automatan" أي إنسان آلي، يُشَغَلْ بواسطة نظام داخلي مبارك من دم الآلهة الاغريقية.

تطرح الكاتبة أسألتها "هل كان تالوس إنساناً خالداً أم كان آلة لا روح لها، وبرأيها فإن تالوس الذي يدمر أعدائه عبر احتضانهم إلى صدره المشحون بالحرارة الداخلية، عبارة عن نظام أندرويد متحرك ذاتيًا يكتسب مصدر طاقته من نظام برمجه ألهه هيباستوس. قد يكون تالوس أول فكرة عن روبوت يعمل عبر لغة برمجية. كائنٌ آلي لديه ماهية انسان ولكنه ليس انساناً. يتصرف حسب الاملاءات الالهية التي يتلقاها عبر الأنبوب. كذلك تظهر التماثيل التي ترمز إليه، امتلاكه وجهاً تشبه ملامحه الوجه الحديث الذي يميز الروبوتات.

حلم الآلهة الإغريقية بالروبوتات 15/10/2019 قدرتنا على تخيل الذكاء الاصطناعي ليست حديثة بل تعود إلى العصور القديمة؛ الى ما قبل اختراع الهواتف الذكية وحواسيب الكوانتوم بآلاف السنوات، حين عبّر الاغريق عن تهيؤاتهم وأفكارهم حول الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

  

"آلهة وروبوتات: الأساطير والآلات وحلم الاغريق بالتكنولوجية". اسم كتاب كبير في عالم الروبوتات، كتبته الباحثة في الحضارة الاغريقية اندريا مايور. يعيد الكتاب بناء تصورنا لتاريخ الروبوتات وصناعتها. واحدة من النقاط الكبيرة التي يكشفها الكتاب هي أنه إذا كانت الروبوتات والذكاء الاصطناعي مسرحاً يصنعه البشر الآن لتلبية احتياجاتهم الحياتية والبحثية الراهنة فعند الاغريق كانت الروبوتات لعبة الآلهة في الحرب. وصراع على بقاء نمط ديني بوجه نمط اخر.

  

الحديث عن روبوتات وخوارزميات وذكاء اصطناعي يعيدنا بالضرورة مئات السنين الى الماضي بالتحديد إلى عالم الرياضيات الكبير محمد بن موسى الخوارزمي وإلى الحقبة التي كان فيها الفنان والعالم الموهوب ليوناردو دافينشي على قيد الحياة. في تلك الحقبات الزمنية وضع الخوارزمي اصول الحوسبة، وعلى الطرف الآخر كان دافينشي يصنع روبوت بإمكانه تلوح يده وتحريك فكيّه. يمكن القول إن ما فعله الرجلان مع علماء آخرين، كان أولى المحاولات الحقيقية لتنشيط الحديد عبر الحوسبة ومنح المعدن حركة ذاتية من خلال الرياضيات والفيزياء. قد يسأل بعضنا متى كانت المرة التي لفظ بها مصطلح روبوت؟ الجواب: انه حديث النشوء عمره من عمر مسرحية "أر يو أر" (Rossums Universal Robots) للمسرحي التشيكي كارل كابيك التي عرضت في براغ للمرة الأولى عام 1921. لكن، ثمة روبوتات في الحضارة الاغريقية تستحق التوقف عندها.

      

فكرة الروبوتات المجردة وابتكار آلة ذكية ذاتية التفكير والحركة تشارك الإنسان حياته ظهرت للمرة الأولى لدى الكهنة الإغريق في سياق علاقتهم مع الهتهم. هذه الآلهة التي "خلقت" الأبطال والأساطير والوحوش، "لم تخلق روبوتات" بل صنعتها. يتوقف الكتاب عند أربع كائنات ابتكرها هيباستوس إله النار والحديد والاختراعات ونجل الاله الأكبر زيوس. ابتكر هايباستوس كائنات حيوية كباندورا، وتالوس، وبروميسيوس ودايدالوس، أما الفتاة الساحرة مديا فكانت ابنة الملك اييت، وحفيدة إله الشمس. لديها امتيازات كائن السايبورغ. هي من قتلت "تالوس" العملاق الآلي الخارق المصنوع من البرونز وكانت مهمته حماية جزيرتي أوروبا وكريت اللتين كان يدور حولهما ثلاث مرات في اليوم. لم تولد كبقية الفتيات بل تم صنعها بقدرات خارقة.  

كان اختراع هذه الشخصيات الخارقة يحصل بطلب من الآلهة وكانت بدورها تطلبهم بمواصفات محددة. وبحسب الكتاب تمثل هذه الشخصيات صورة بدائية للروبوتات، لأنها تمتلك قدرات تفوق الإبداع البشري ولديها مهارات فنية رائعة وتشبه إلى حد بعيد ما نعرفه عن الروبوتات حالياً، تقدم قصة تالوس، التي ذكرت للمرة الأولى في الأسطورة "اورغونوتيكا"، قبل حوالي عام 700 قبل الميلاد، واحدة من أولى التصورات للروبوت. تالوس رجل برونزي صنعه هيفايستوس. كان لدى العملاق أنبوب يمتد من رأسه إلى أسفل قدمه، ويمر بداخله نظام تشغيل إلهي. في الأسطورة تظهر ألفاظ جديدة لوصف ما يمثله تالوس، فهو مُنتج "تكنو"، وهو كذلك الأمر "Automatan" أي إنسان آلي، يُشَغَلْ بواسطة نظام داخلي مبارك من دم الآلهة الاغريقية.

تطرح الكاتبة أسألتها "هل كان تالوس إنساناً خالداً أم كان آلة لا روح لها، وبرأيها فإن تالوس الذي يدمر أعدائه عبر احتضانهم إلى صدره المشحون بالحرارة الداخلية، عبارة عن نظام أندرويد متحرك ذاتيًا يكتسب مصدر طاقته من نظام برمجه ألهه هيباستوس. قد يكون تالوس أول فكرة عن روبوت يعمل عبر لغة برمجية. كائنٌ آلي لديه ماهية انسان ولكنه ليس انساناً. يتصرف حسب الاملاءات الالهية التي يتلقاها عبر الأنبوب. كذلك تظهر التماثيل التي ترمز إليه، امتلاكه وجهاً تشبه ملامحه الوجه الحديث الذي يميز الروبوتات.

وإذا ما كان تالوس أول روبوت متخَيّل، فقد كانت ميديا أول امرأة تمثل التكنولوجيا الحيوية. لميديا شق خاص في الكتاب. المرأة عبقرية فيما يُطلق عليه بالإغريقية "Pharmaka" (الدواء)، و"Technai" (الأجهزة)، وهو اختصاص يُلقب حالياً بـ "التكنولوجية البيولوجية". في إحدى المعارك ترسل ميديا جنديًا يقوم بحقن تالوس في كاحله. في الشريان الذي يمنح تالوس طاقته. تنجح الابرة في تعطيل تالوس. لم تكن نهاية تالوس الموت؛ تَعطَل تالوس عن العمل تماماً كما يحصل مع الاجهزة المحمولة. إنها نهاية حزينة إلى حدٍ ما.  

كانت مهمتها في الأساطير الإغريقية تشبه مهمة المستثمر التكنولوجي راي كورزويل. فميديا كما كورزويل منهمكة بتسخير الذكاء لصناعة اجهزة وأدوية بهدف البقاء على قيد الحياة الى الأبد. تبتدع ميديا ادوية تجعل الافراد شباباً مدى الحياة وتقوم بعمليات مزج الاعضاء البيولوجية بمواد معدنية والتي يمكن تصنيفها في خانة ابتكار "سايبورغ" من خلال استخدام ما يطلق عليه بالإغريقية "Cryptico Biotechno" أي التشفير البيوتكنولوجي، وقد استخدمت التقنية لتعطيل نشاط تالوس بينما استخدمت تقنية نقل الدم من الصغار إلى الكبار في السن بهدف اعادة الشيوخ إلى سن الشباب.

في الفصل الثاني من الكتاب تذكر الكاتبة أن التاريخ الطبي يُصنف ما فعلته ميديا كأول عملية نقل دم خيالية ناجحة، تهدف إلى إعادة سن الشباب، وتعطي الكاتبة مثالاً على عملية نقل الدم الناجحة التي حصلت عام 2005 حين تلقى فئران كبيرة السن دماءً من فئران صغيرة السن وقد جدد ذلك خلايا الكبد والأمعاء لديهم.  

أما "باندورا"، التي صنعها هيباستوس بطلب من الآله زيوس. فقد كانت نوعًا من الذكاء الاصطناعى وتشبه المساعد الافتراضي. ليس لديها عمر ولا ذاكرة ولا أب ولا أم ولا طفولة ولا هوية ذاتية. مهمتها المساعدة في تنفيذ الأعمال القذرة. تشبه باندورا "وحش فرنكشتاين". أنثى ديستوبية إلى حد كبير. كانت إحدى مهماتها فتح جرة البؤس لمعاقبة الناس على اختراعهم للنار، وكانت تمتلك لوح طائر على غرار لوح الجندي الذي ظهر عام 2019 في الاحتفال الوطني الرسمي لفرنسا. في النصوص الاصلية للاساطير الاغريقية وصفت باندورا بأنها امرأة مصطنعة شريرة.

في الفصل الثامن من الكتاب تشير الكاتبة مايور إلى منظري التكنولوجيا الحديثة الذين يصنفون باندورا ضمن فئة الذكاء الاصطناعي الديستوبي. بالعودة إلى أول قانون عصري سَنَه الاميركي اسحاق اسيموف، ويرعى وجود الروبوتات، فقد اخترقت باندورا القانون الذي يقول إن "الروبوتات عليها ألا تؤذي الإنسان، وعليها أن تتلقى أوامرها من الإنسان وأن تطيعه". باندورا كانت تنفذ أعمال زيوس الشريرة. كانت تستخدم التكنولوجيا لتعميم الشر.

 

(الكاتب: حلا نصرالله صحافية تتابع قضايا التكنولوجيا)