عندما أعلن الرئيس سعد الحريري بيان استقالته، عَرف من أين تؤكل الكتف السياسية. بأقلّ من دقيقتين استطاع «ابن الرئيس الشهيد» أن يستعيد جزءاً من شعبيّة فَقدها في الشارع السني جرّاء هزائمه السياسية وانهياره المالي.
 

خلال خطاب الاستقالة، لم يكن سعد الحريري كَمَن يخرج من السلطة مهزوماً. لم يكن يشبه أيّاً من الرؤساء الذين استقالوا على وَقع احتجاجات شعبية تُطالب برحيله. وبالطبع، لم يكن يحسب نفسه من صفّ المسؤولين الذين أوصلوا البلد إلى حافّة الانهيار الاقتصادي.

على العكس من ذلك، تمكّن من اللعب على وتر شارعه، بخطاب مُقتضب وذكيّ، ليقول باختصار انّه كسب الجولة الأولى.

لم يكن الخطاب موجّهاً إلى أولئك الذين تظاهروا في الساحات لـ13 يوماً، واعتبروا أنّ استقالة الحكومة هي الإنجاز الأوّل على طريق الألف ميل، بل كان خطاباً يُراد منه أن يلقى الآذان الصاغية في القاعدة الشعبية لـ«تيّار المستقبل».

بأقلّ من 60 كلمة، صَوّر الحريري نفسه مهزوماً عندما «وصل إلى طريق مسدود»، وكأنّه انفرَدَ بشرف المحاولة، والوحيد الذي يخاف على «مصلحة لبنان وحماية السلم الأهلي والنهوض بالاقتصاد».

ولأنّ «عِدّة» التوجّه إلى القاعدة الشعبية لا تنفع من دون استذكار الرئيس الشهيد، تَقصّد الحريري أن يقف خلال تلاوة بيانه مباشرة أمام صورة والده في «بيت الوسط»، ليسترجع مقولته الشهيرة: «ما حَدا أكبر من بَلدو».

سريعاً، ربط جمهور «المستقبل» صورة الحريري الإبن بصورة الحريري الأب الذي وقف عند باب طائرته وهو يلوّح بيده بعدما استقال بفِعل الضغوط السورية عليه في حينه، وقَدّم مصلحة بلاده على اعتباراته الشخصية.

ولكن لم يكن لهذا الخطاب أن يُؤتي ثماره، من دون تكتيك مُواز. على مدى 13 يوماً، كان فريق الحريري يحاول أن يَمحو عنه صفة الرجل الرّافض للاستقالة، ليُلصق هؤلاء فشل فكرة التعديل الوزاري بجبران باسيل الرّافض حتماً أن يكون «كبش محرقة»، على اعتبار أنّ الحريري سيبقى في تركيبة أيّ حكومة، سواء كانت مُعدّلة أو تكنوقراط. تماماً كما تمّ رَمي فشل فكرة إسقاط الحكومة على «حزب الله» الذي «يُهدّده لثَنيهِ عن الاستقالة».

فعلها الحريري

ولإظهار المزيد من القوّة، «قطف» رئيس الحكومة سياسياً في الوقت المناسب «الخطيئة» التي ارتكبها الثنائي الشيعي باعتداءات مناصريه على المتظاهرين في وسط بيروت. مع العلم أنّ الحريري كان قد أبلغ الى القوى السياسيّة أنّه سيستقيل يوم الإثنين، ثمّ ما لبث أن مدّد هذه المهلة حتى بعد ظهر الثلاثاء، بحسب أوساط «حزب الله» التي تَمنّت عليه ذلك.

وبالتالي، صَوّر نفسه مختلفاً عن المسؤولين الآخرين الذين يحمون المعتدين، وبطلاً في كسر شوكة خصومه، خصوصاً أنّ بعض المقرّبين منه أوحوا أنّ الاعتداءات التي حصلت في وسط بيروت هي بمثابة «7 أيّار جديد» يوجِّه فيه «حزب الله» رسالته إلى الحريري بمنعه من الاستقالة أو حتى التلويح بها.

«إستنفار سنيّ»

هكذا نجح رئيس «تيّار المستقبل» بالعودة إلى كنف قاعدته الشعبية منتصراً وبطلاً. وما يؤكّد ذلك «الاستنفار السني» في «بيت الوسط». شخصيات سياسية واقتصادية وبلدية تُحيط بالحريري، حتى أنّ مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي قوبِل بغضب الشارع لعدم التطرّق في خطبه إلى الانتفاضة في أيّامها الأولى، قرّر الذهاب من عائشة بكّار إلى وسط بيروت، للوقوف عند خاطر الحريري.

وأكثر من ذلك، وضع فؤاد السنيورة خلافاته جانباً، تماماً كما استراح نجيب ميقاتي من حربه على «المستقبل»، لتأمين «الدعم السني»، مع الرئيس تمّام سلام.

كلّ هذه المشاهد، ضاعفت من القدرة على استمالة الشارع السني الذي شعر أنّه مُستضعف، على اعتبار أنّ رئيسهم دفع وحيداً ثمن الانتفاضة، فيما الرؤساء الآخرون ما زالوا في مناصبهم. الصورة كانت مصَوّبة على الحريري وحده، وليس على حكومة تضمّ القوى السياسية الرئيسية التي سقطت هي أيضاً باستقالته.

وعليه، أعادت استقالة الحريري بعضاً من الاصطفافات الطائفيّة. إقفال بعض الطرقات استنكاراً. هكذا، خرج الحريري من السلطة كما لو أنّه عاد من «رحلة الذنب المغفور»، حاملاً «صك براءة» عن كلّ ما يتّهمه به المتظاهرون من ارتكاب الفساد أو حتى التغطية على مُرتكبيه.

ومهما يكن من أمر، فإنّ الاستقالة خَلّفت شارعاً يتوجّس من أن تنتهي الانتفاضة بـ»مؤامرة» على الحريري لإسقاطه وحيداً، مع بقاء رئيسَي الجمهوريّة ومجلس النواب في منصبيهما. ولذلك، يبدي كثيرون ندمهم على مشاركتهم في هذه الانتفاضة، وكأنّهم طعنوا زعيمهم في ظهره.

في المقابل، يتخوّف بعض المتظاهرين من دخول «المُستقبليين» بقوّة إلى الساحات لإسقاط رموز السلطة بعدما صار رئيسهم خارجها.

ولكن هل يعود الحريري قريباً؟

لا يملك المتابعون توقّعاً لِما يمكن أن يحصل ميدانياً، ولكنهم يُشيرون في الوقت عينه إلى أنّ «حزب الله» وحلفاءه لا يُمانعون عودته لترؤس حكومة تُشبه في توازناتها الحكومة الحاليّة. فيما يؤكّد آخرون أنّ «حزب الله»، الذي كان يفتح خطوط اتّصال دائمة مع «بيت الوسط» على مدار الـ13 يوماً السّابقين لمناقشة أي تطوّر، عاتِب على الحريري اليوم إذ إنّه يضع استقالته في خانة «الغدر» بأوامر خارجيّة، فيما كان بقاؤه في الحكم يعني «حماية مشتركة» للطرفين.

وبالتالي، فقد تمّ إبلاغ الحريري بوضوح سابقاً أنّ الاستقالة بلا تنسيق مباشر، أو بالأحرى موافقة، تعني حُكماً عدم تعبيد طريق السراي للسماح له بالعودة بسهولة!