ينتشر منذ أيام على مواقع التواصل الاجتماعي، مزاعم عن شعار قبضة اليد من قبل المحسوبين على السلطة الفاسدة، رابطين هذا الشعار بحركات عنصرية وصهيونية وما إلى هناك، والهدف من كل ذلك، هو ضرب وطنية ثوّار لبنان الذي يتخذ بعضهم شعارًا مماثلاً ليؤكدوا أن الحكم للشعب بتأييد من الله سبحانه وتعالى، وهو المعنى المباشر لهذا الشعار تاريخيًّا، استنادًا إلى ما جاء في التوراة: "مُبَارَكٌ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي أَسْلَمَ أَعْدَاءَكَ فِي يَدِكَ" (سفر التكوين 14 : 20)، ورسالة بطرس الرسول الأولى: "فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ"(1 بط 5: 6)، وما جاء في "صحيح بخاري": "عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يد الله مع الجماعة".

بداية، يمكن القول إن كل هذه المزاعم التي انتشرت حول هذا الشعار، هي لا تؤذي الثورة اللبنانية بقدر ما تؤذي المحسوبين على السلطة أنفسهم، عندما نعلم أن هذا الشعار انتشر على امتداد خريطة العالم، من روسيا شرقا حتى أمريكا غربا، ومن أوروبا شمالا حتى أفريقيا جنوبا، وعلى مدار 100 عام على الأقل. وقد رفع في إيران خلال الثورة الخمينية ضد حكم الشاه (1979)، كما رفعته شعوب عدة منها الثورة الشيوعية في بدايات القرن العشرين (1917)، والحرب الأهلية الاسبانية، وحركات الدفاع عن السود في أميركا، وحركة "كاخ" الصهيونية الإرهابية عام 1971، وثورات البحرين واليمن ومصر، وصولا إلى ثورة لبنان (2019). وكان لافتا للانتباه إلى أن مجلة "إيكونومست" البريطانية اختارت شعار القبضة ليتصدر غلافها (2011)، لتؤكد من خلاله تأييدها لثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا وسوريا وغيرها.

وقد بدا مثيرًا للاهتمام إلى أن الشعار نفسه، قد اُستخدم ضد النفوذ الروسي لاحقًا في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي (1989)، إذ رفعته "حركات ممولة من منظمات أمريكية وأوروبية تسعى إلى إزاحة النفوذ الروسي عن دول شرق أوروبا". ويلحظ الباحث في تاريخ هذا الشعار، وكيفية انتقاله وتوظيفه، أن ظهوره تكرر في ما وصف بـ"الثورات الملونة" على يد منظمة "أوتبور" في صربيا للإطاحة بالرئيس الصربي سلوبودان مليسوفيتش (2000). مهما يكن، فإن هذا الشعار كما يلحظ أعلاه، كان له توظيفات مختلفة عبر التاريخ، ولا يصح بأي شكل من الأشكال، أن ينسب إلى جهة محددة "لغاية في نفس يعقوب" كما يقال. وبالتالي، إن إلصاق المحسوبين على السلطة الفاسدة التهم الجاهزة بثورة لبنان وثوّارها، بخبرية من هنا، وصورة من هناك، وفبركة فيديوهات، وافتعال مشاكل بهدف الحط والتقليل من شأن وجع الناس وتخوينهم، لم تعد تجدي، لأن الشعب اللبناني كله (حتى الصامت منه) بلغ مرحلة اللاعودة إلى سلطة المحاصصة الفاسدة بحجج المذهبية والطائفية، ونهب المال العام، وسرقة أحلام الشابات والشباب.

 

كامل صالح