تمحورت تغطية وسائل الإعلام الخاضعة للحكومة في طهران لموجات الاحتجاجات في لبنان حول «إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية». إذ تضافرت صور لعشرات الأشخاص الذين يحرقون الأعلام الإسرائيلية والأميركية في بيروت مع التعليقات والشعارات ذات الصبغة السريالية من شاكلة «مقاتلو المقاومة اللبنانية» الذين يدعون الجميع لـ«الجهاد ضد الصهاينة قاتلين الأطفال»، وضد «الشيطان الأميركي الأكبر». الواضح أن الاحتجاجات كانت بمثابة تغطية متقنة للكون الموازي الذي أوجده الجنرال قاسم سليماني في لبنان على اعتبار أنه جسر عبور الآيديولوجيا الخمينية إلى منطقة الشرق الأوسط من إيران. لكن أولئك المطّلعين على أساليب الدعاية الإيرانية يعلمون أن ملالي طهران ينظرون إلى لبنان من زاوية أنه أكثر محاولاتهم نجاحاً لتصدير الثورة الإسلامية وبناء الإمبراطورية الإيرانية في الخارج، تستحق التجربة، من وجهة نظرهم كل بلايين الدولارات التي أُنفقت واستثمرت هناك ولا تزال.

 

غالباً تتباهى وسائل الإعلام الإيرانية حقاً على اعتبار أن لبنان البلد الوحيد الذي تسيطر فيه حكومة الجمهورية الإسلامية على أدوات السلطة كافة، من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان إلى الأجهزة الأمنية المختلفة. والأهم من ذلك، كما يُعتقد، أبرمت سلطات طهران تحالفات عديدة مع عدد من الشخصيات والجماعات القوية داخل كل عائلة من العائلات الإثنية والعرقية والطائفية التي تشكل نسيج الشعب اللبناني. هذا لا ينطبق على العراق، حيث يتعين على طهران التنافس وربما التصارع مع وجود الأحزاب والشخصيات والعائلات من العرب السنة والأكراد الأقوياء، وفي حين أنهم يعربون عن استعدادهم لاحتواء التدخلات الإيرانية السافرة في الشأن العراقي، فهم يعلنون وبصرامة رفضهم الشديد والتام للتبعية المطلقة لطهران.

 

كذلك في اليمن، وعلى الرغم من الاعتماد شبه المطلق على تدفقات الأموال والأسلحة الإيرانية للبقاء على قيد الحياة، فإن الحوثيين يحاولون عدم الانجرار رغماً عن إرادتهم إلى الاستراتيجية الخمينية الهادفة إلى بسط الهيمنة الإقليمية على ربوع المنطقة. وأيضاً في سوريا، يتوجب على الملالي التعامل بحذر مع نظام بشار الأسد وما تبقى من شراذم أعوانه وأنصاره الذين يعدّون الوجود العسكري الإيراني في البلاد من الضرورات القاسية للغاية التي تضمن لهم الاستمرار والبقاء. وأخيراً في قطاع غزة الفلسطيني، تدين إيران بنفوذها الواسع هناك إلى التدفقات المالية السخية المرسلة لصالح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وهي الفرع الفلسطيني من جماعة «الإخوان المسلمين». وعلى الرغم من ذلك، يلقي التناطح الدائم ما بين الآيديولوجيا الخمينية والإخوانية بظلاله القاتمة، وربما الدائمة، على العلاقات بين الجانبين. أضف إلى ذلك نجد طهران مضطرة إلى التعامل مع وجود المنافسين الأقوياء في العراق من شاكلة الولايات المتحدة، وفي سوريا من شاكلة روسيا، والآن تركيا أيضاً.

 

وفي أول لقاء صحافي يعقده الجنرال سليماني، سلطت وسائل الإعلام الموالية للحكومة في إيران المزيد من الأضواء عليه. وصف لبنان بأنه من أبرز الأمثلة الساطعة على نجاحه في تصدير الثورة الإسلامية وبناء أذرع الإمبراطورية الإيرانية خارج البلاد، معرباً في الوقت نفسه عن فكرة الكون الموازي التي ابتعدت بالملالي كل الابتعاد عن الواقع وحقائقه.

 

وجاءت المقابلة ذات الـ6000 كلمة، التي اتخذت صفة سردية الحرب التي استمرت 33 يوماً بين الجيش الإسرائيلي ضد الفرع اللبناني من تنظيم «حزب الله» الإيراني، محاولةً تحقيق أهداف ثلاثة. أولاً، إبراز صورة قاسم سليماني الشخصية بالخبير الاستراتيجي المخضرم الذي يمكنه مواجهة الجيش الإسرائيلي والدفع بها إلى حافة الهاوية والدمار. وقال الجنرال سليماني خلال المقابلة: «لو كان قُدر لحرب الثلاثة وثلاثين يوماً الاستمرار لكانت أسفرت من دون أدنى شك عن تفكك وانهيار النظام الصهيوني بأسره»، هكذا قال الرجل من دون أن يتلعثم أو يعبث بطرف لسانه. وعلى الرغم من ذلك، فهناك سؤال وجيه: ما الذي دفع الجنرال الإيراني المخضرم إلى اتخاذ قرار وقف الحرب وبالتالي إنقاد الجيش الإسرائيلي ثم النظام الصهيوني من التفكك والانهيار؟

 

يزعم سليماني أن قرار وقف إطلاق النار لم يخرج من جعبته وإنما كان مهندس القرار هو الشيخ حمد رئيس الوزراء القطري، وقتذاك، بمعاونة من جون بولتون سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في تلك الأثناء. ولا يفسر لنا سليماني السبب الذي دفعه، ودفع المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى الموافقة على الخطة التي أبدعها الشيخ القطري ووافق عليها الدبلوماسي الأميركي لإنقاذ الجيش الإسرائيلي من التفكك والانهيار على أيدي «حزب الله» اللبناني. وكان الهدف الثاني لدى سليماني يتمثل في محاولة إثبات أن تلك الحرب أجبرت القيادة الإسرائيلية على التخلي عما يسميها الجنرال الإيراني «استراتيجية بن غوريون للحرب الوقائية»، التي كانت تعني تقليم أظافر وتشذيب أنياب البلدان العربية مرة كل عشر سنوات من خلال حرب عامة تهدف إلى تدمير جيوشهم قبل أن يفيقوا ويحاولوا جلد الدولة اليهودية.

 

بعبارة أخرى، إن كان قاسم سليماني محقاً فيما يزعم، لكان العرب حكاماً ومحكومين يعيشون الآن في وئام وسلام، لليقين بأن إسرائيل وجيشها لن يتمكنا من شن الحرب الوقائية ضدهم من جديد. والمفارقة المثيرة للسخرية تكمن في أن الجيش الإسرائيلي شن خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية أكثر من 300 هجوم على أهداف عسكرية إيرانية داخل سوريا والعراق أسفرت عن سقوط المئات من القتلى فضلاً وتدمير معدات كثيرة، في حين التزم الجنرال قاسم سليماني وميليشياته من مرتزقة الحروب الصمت المطبق والابتعاد على المواجهات المفتوحة قدر الإمكان!

 

ومن بين أهداف الجنرال سليماني المعلنة، يبدو أن الثالث منها هو الأكثر أهمية على الإطلاق، إذ يرسم لنا سليماني، في تعبير غير مكترث، صورة لبنان بأنه قطعة من الأرض من دون حكومة خاصة تحكمها، وتبريره الوحيد أنها صارت رافداً من روافد الحكومة الإيرانية في طهران. وهو يتحدث عن زياراته المتكررة جيئةً وذهاباً من وإلى لبنان من دون أن يكلّف نفسه عناء الإشارة إلى الدعوات الرسمية، ناهيكم بحصوله على أي تأشيرة دخول إلى البلاد، من قِبل أي سلطة لبنانية تُذكر. ثم إنه لا يعبأ بأن يذكر مصدر تصاريح تدفقات الأسلحة الكثيرة، بما في ذلك الآلاف من الصواريخ، التي دخلت لبنان عبر العراق وسوريا. وليست هناك إشارة واحدة في حديثه إلى أي اتفاقية من جانب أي سلطة للتصريح لوحدة عسكرية أجنبية بتنفيذ العمليات العسكرية، أو شن الحرب، ضد أي دولة أخرى مجاورة انطلاقاً من الأراضي الخاضعة لسيادة الحكومة اللبنانية.

 

وبقدر تعلق الأمر بقيادة الحرب وإدارتها، يزعم قاسم سليماني أن اللجنة المؤلفة من ثلاثة أعضاء فقط، هو أولهم رفقة زعيم «حزب الله» حسن نصر الله مع عماد مغنية، قادرة على اتخاذ القرارات العسكرية المصيرية، وفي حالة عجز اللجنة الثلاثية المذكورة عن التعامل مع إحدى القضايا الكبرى أو الشائكة، فإن قاسم سليماني سرعان ما يهرع إلى طهران باحثاً عن حل. وفي إحدى المناسبات المماثلة، كان سليماني يقطع الطريق بطوله إلى مدينة مشهد بغية الحصول على الإرشادات، وربما التعليمات، من سيده علي خامنئي. ولا يتحدث مع أحد من الرئيس اللبناني، أو رئيس الوزراء، أو وزير الدفاع، أو قائد الجيش اللبناني، ناهيكم بذكر المواطن اللبناني العادي الذي لا يعلم لماذا اندلعت الحرب في المقام الأول ولصالح مَن؟

 

يعكس قاسم سليماني، ربما عن غير قصد منه، أن الحرب التي أشعلها «حزب الله» – على الرغم من المجازفة الرعناء بحياة المواطنين اللبنانيين كافة بصرف النظر تماماً عن خلافاتهم الطائفية الواضحة – كانت تستهدف بالأساس القضاء على «مؤامرة شيطانية خبيثة ضد المسلمين الشيعة» تهدف إلى اعتقال 30 ألفاً من شيعة لبنان على أيدي جنود الجيش الإسرائيلي، واحتجازهم في معسكر اعتقال ثم تسكين غير الشيعة في قراهم المحتلة بغية تغيير التوازن الديموغرافي على طول خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

 

وللإعراب الضمني عن جبن اللبنانيين من غير الشيعة، تحدث قاسم سليماني عن «إخواننا من السنة والمسيحيين المطمئنين في بلداتهم وقراهم يدخّنون النرجيلة ويحتسون الشاي» في الوقت الذي يواصل مقاتلو «حزب الله» من الشيعة الجهاد لقطع أوصال العدو الصهيوني الغاشم. ومع ذلك، وخشية أن يظن الناس البسطاء أنها مجرد حرب طائفية أخرى خدمةً لمآرب سياسية معروفة، قال قاسم سليماني في حديثه: «تحت كل الظروف، فإن (حزب الله) هو الحامي الرسمي والرئيسي للأمة اللبنانية بأسرها».

 

أعتقد أن قاسم سليماني قد جانبه الصواب في «شطب» لبنان باعتباره دولة قومية ذات سيادة مع محاولته الحثيثة لإعادة صياغة الواقع اللبناني كمجرد رأس جسر لعبور الآيديولوجيا الإيرانية إلى قلب الشرق الأوسط. ولأنني أعرف لبنان جيداً منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان، أستطيع أن أخبره بأن هناك حقيقة تسمى «النزعة اللبنانية الأصيلة» التي تتجاوز شراذم الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية الداخلية كافة. فإن الشعب اللبناني دائم التطلع إلى البحر الأبيض المتوسط وآفاق الإمكانات الهائلة والمثيرة التي يحظى بها العالم الحديث على سواحل الجانب الآخر ولا يعبأ من قريب أو بعيد بالانجرار إلى رجعية الهضبة الإيرانية القديمة تحت ظلال الملالي القاتمة وآيديولوجياتهم العتيقة. وعلى سبيل الذوق العام، فإن النزعة اللبنانية هي أقرب إلى الشاطئ المفتوح منها إلى المخبأ الضيق!