يخضع الجيش اللبناني لأوامر السلطة السياسية. وقد أرسلته السلطة إلى الشوارع لتفريق المتظاهرين فتعانق معهم. وبعض الجنود بكى وقد وجد نفسه في مواجهة أهله. وقالت سيدة محجبة متقدمة في السن لضابط شاب ضاحكة «يقبروني عيونك شو حلوين مثل عيون ابني». ورد عليها وهو يتراجع «إنتي مثل أمي».

 

عرض استثنائي لا مثيل له: الشعب في الخارج والجيش يبتسم له ويبكي. والأحزاب ممنوعة من الظهور. والسياسيون يتساءلون مَن يمكن أن يبقى منهم ليكذب على الناس ويخدعهم ويعلك عليهم حياتهم. هذا ليس لبنان المستقل، بل لبنان الحر. لبنان لا يحركه أحد مثل الدمى. لبنان يرسل الأمهات صارخات: لا نريد أن يتركنا أبناؤنا إلى الهجرة من أجل أن يعوم أبناؤكم في مستنقعات الفساد.

 

لم تحتَج السلطة إلى إحصاءات. الوطن برمّته يهتف ضدها برمّتها. لا يمكن تكذيب الشاشات ولا إنكار هذا المهرجان الذي لم يشهد لبنان مثيلاً له. كل يوم مضى على ارتباكها هو دهر في عمرها. لا حلول أخرى سوى التضحية برموز الفشل والفساد وعقم المشاعر. ولا فائدة من إرسال الجلاوزة لتعكير صفاء الانتفاضة وألم الناس.

الفرق بين رجل الدولة ورجل السياسة، أن الأول يتخذ الخطوة الصحيحة، والثاني «يفشّخ». الناس أعلنت في صوت واحد نهاية «التفشيخ». الحكم في كثرة العمل لا في كثرة الرحلات. والحيوية الفارغة مثل الكسل الفارغ. قال مطران بيروت للأرثوذكس إلياس عودة عندما سُئل عن خطر الفراغ، إن «أي فراغ أفضل من الذي نحن فيه». قال أبراهام لنكولن، إن في إمكانك أن تخدع بعض الشعب لبعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الشعب كل الوقت.

 

على السلطة أن تتخذ خيارها: المحافظة على مكاسبها أم على لبنان. لا مكاسب لأحد إذا ضاع لبنان في حماقة المكابرة الجوفاء. يبث تلفزيون «التيار» الحاكم منذ أسبوع مشاهد الاعتصامات، فترى أن مجموع الناس لا يزيد على مائة. على أي قناة أخرى لا يقل عن مليون في ساعات المساء. المكابرة والإنكار مضحكان في مثل هذه الحالات الدرامية. على السلطة السياسية أن تكون في مستوى الناس، خصوصاً وهم في أعلى لحظاتهم التاريخية والوطنية والقومية. ساعة الصدق العظيم لا يمكن أن يقابلها إلا ساعة وعي لمعانيها.