ينبغي الانتباه إلى أنّ البقاء من دون جدول أعمال واضح أو لائحة مطالب محددة يعني فتح الباب أمام استغلاله أو استثماره على نطاق واسع.
 

على وقع استمرار الانتفاضة الشعبية في شوارع بيروت ومختلف المدن والمناطق اللبنانية، انعقد مجلس الوزراء اللبناني في بعبدا، وأقرّ ورقة اقتصادية كان أعدها رئيس الحكومة سعد الحريري، في مسعاه لإرضاء الشارع الغاضب، ضمن المهلة التي كان أعطاها لنفسه والتي انتهت عملياً بانتهاء الجلسة الحكومية وتلاوته بياناً عقب الجلسة ضمّنه البنود الإصلاحية التي أقرتها الحكومة من خارج مشروع الموازنة. وكان لافتاً في البيان اعتراف الحريري بقوة الحراك الشعبي الذي أدى إلى إقرار مطالب عجز هو ذاته عنها على مدى سنتين. 

لم يستقل الحريري. وجاء الإخراج السياسي للمأزق الحكومي المستجد على خلفية الاحتجاجات الشعبية المطالِبة بشكل أساسي باستقالة الحكومة،  ولكن هل كان في إمكان الحريري الاستقالة؟ وهل ثمة أسباب تقف وراء عدم إقدامه على هذه الخطوة على الرغم من خروج حليفه الأساسي، رئيس حزب " القوات اللبنانية" سمير جعجع، من الحكومة في الأوساط السياسية اللبنانية، تتردد معلومات مفادها بأن الحريري تعرض لضغط من حزب الله من أجل البقاء في موقعه وعدم الإقدام على الاستقالة، تحت طائلة تفجير البلد أو دفعه إلى مغادرته. لم تتأكد مثل هذه المعلومات لكن الأكيد أن الحزب ليس في وارد الاستغناء عن الحريري، وقالها السيد حسن نصرالله صراحةً في خطابه المتلفز السبت الماضي. 

 

للحزب أجندة خاصة تتعلق بالحفاظ على المشهد السياسي كما هو ومن دون أي تغيير، وتحديداً على رئيس الحكومة الذي يشكل إلى جانب رئيس الجمهورية ميشال عون، الغطاء الشرعي للشراكة السياسية، لا سيما أن الشرعية التمثيلية استمدها من الانتخابات النيابية الأخيرة، التي أعطته مع حلفائه الأكثرية المطلقة. ما حصل في الايام الماضية، كان انتصارا للارادة الشعبية على كل المستويات. سياسيا، لم يعد في مقدور السلطة ان تتجاهل الحراك الشعبي، وما يمكن ان يستتبعه لاحقا، اذا لم تلتزم الحكومة تعهداتها. ولم يعد في وسع القيادات السياسية ان تتجاهل انتفاضة اللبنانيين في مواجهة قمعهم بأساليب شتى، منها العنفي الواضح، او المبطّن، او الاغراءات.

 

ولئن حاول كل طرف اليوم استثمار نتائج الحراك، والاعلان انه صبّ في خدمة طروحاته الاصلاحية، فان الحقيقة هي ان ما سُمّي خطة انقاذية لم تسلك طريقها إلا تحت ضغط الشارع الذي حقق انتفاضة غضب لن تستكين بعد اليوم. لم تكن الطبقة السياسية الحاكمة تتوقع هذه الانتفاضة، ولهذا تمادت في تكرار السلوك نفسه، وكانت قرارات الواتساب والضرائب قطرة الماء التي أفاضت كأس اللبنانيين.

 

إقرأ أيضًا: انفجر الشارع ووقع المحظور

 

لم يتوقع العهد ما حصل، فقد كان الوزير جبران باسيل بالكاد انهى مهرجان السيل الجارف وقلب الطاولة، ليُفاجأ بأنّ السيل الجارف انطلق في المناطق المسيحية من كسروان الى المتن والاشرفية، ليوصل رسالة واضحة للعهد، بأنّ المسيحيين لم يعودوا كما كانوا، وان لغة استعادة الحقوق، والمسيحية المشرقية، وتحالف الأقليات سقطت، وانّ حقوق المسيحيين هي في بناء دولة حقيقية تؤمّن حقوقهم البديهية في الحياة والحرية، بعيداً من لعبة استدراج الشد الطائفي.

 

اما بخصوص الموقف الداخلي والعربي والدولي من انتفاضة السابع عشر من تشرين، فالاميركيون أقرب الى اللامبالاة وبالكاد أصدروا موقفاً يطلب حماية الاعتصام الشعبي، اما الفرنسيون فهم يدعمون بقاء الرئيس سعد الحريري وعدم استقالته، فيما تراقب كل من السعودية والامارات بدهشة ما يحصل في لبنان، والعين على البيئة الشيعية التي فاجأ تحرّكها الجميع، حتى انّه تجاوز الاعتراض الشيعي في العراق. فمن أين جاءت جرأة الاعتراض المفاجئة التي تمتَّع بها المتظاهرون في البيئة الشيعية التي اتصفت بالتماسك الشديد والصارم، حتى في صناديق الاقتراع، خلف الثنائي وانطلاقا من المثل الشعبي أكل العنب لا قتل الناطور، يمكن الجزم بأن الخيارالشعبي انتصر في فرض برنامج اصلاحي على حكومة الحريري الثالثة، وفي توجيه رسالة إلى كل المشاركين فيها بأن الاستمرار بالنهج السابق لم يعد مقبولاً بأي شكل من الأشكال، باعتراف رئيس الحكومة نفسه الذي لم يتردد في الاعلان أن ما تحقق لم يكن ممكناً لولا التحركات الشعبية في الشارع، الأمر الذي يفرض السؤال عن الخطوات المقبلة. في المحصّلة، الكرة اليوم عادت إلى الخيار الشعبي ليقرر ما يريده بين الاستمرار في الشارع أو الخروج منه، لكن عند هذه النقطة ينبغي الانتباه إلى أنّ البقاء من دون جدول أعمال واضح أو لائحة مطالب محددة يعني فتح الباب أمام استغلاله أو استثماره على نطاق واسع.