بعد هذه الكميات الضخمة من الوعود الفارغة التي حاول بها الطاقم السياسي استيعاب الحراك المدني والعودة إلى مسار التخلُّف، بات الأمر يتطلَّب تفكيراً عميقاً في المرحلة التالية. فهي حسّاسة وتستدعي الوعي والتكاتف والتضحيات. والسلطة، بعد اليوم، ستحاول الذهاب في اتجاهين لإسقاط الحراك: الترهيب والاستيعاب.
 

في البداية، يمكن طرح السؤال ببراءة: هل هي النقمة التي دفعت الناس إلى النزول بحجم مليونٍ أو مليونين الى الشارع، في بيروت وكل المناطق دفعة واحدة؟

ومِن أين جاءت جرأة الاعتراض المفاجئة التي تمتَّع بها المتظاهرون في البيئة الشيعية التي اتصفت بالتماسك الشديد والصارم، حتى في صناديق الاقتراع، خلف «الثنائي»؟

ولماذا تمَّ هذا الانفجار الشعبي اليوم، ولم يتم مثلاً قبل عامٍ أو اثنين أو أكثر؟ هل الأمر يتعلق فقط بوصول البلد إلى حالِ الانهيار المالي والنقدي؟

وأساساً، كيف صار لبنان، فجأة، لا يحصل على جرعات «الترياق» من الجهات المانحة، ولا حتى فرنسا «الأم الحنون» ولا من الأشقاء في السعودية والإمارات وسواهم؟

ولماذا قرَّرت «الأم الحنون» والأشقاء الأحباء أن يوقفوا الشقيق الأصغر المدلل عن المضيّ في طريق «الفساد»، علماً أنهم سكتوا عنه وباركوه أحياناً، على مدى عشرات السنين؟

ألم يكن الفرنسيون والعرب، والأميركيون وسواهم، يمتلكون كامل المعلومات التفصيلية عن الفساد المتمادي للطاقم السياسي اللبناني، فيما يُقال إنّ كميات كبيرة من المليارات المنهوبة توضع عندهم، في مصارفهم؟

ألم يكن الأميركيون والفرنسيون وسواهم يمتلكون المعلومات عن تورُّط مؤسسات مالية وجهات دولية مانحة في الفساد اللبناني، أو السكوت عنه لضرورات وأعذار مختلفة؟

هل صحيح ما يتردَّد عن علاقة ملتبسة قامت بين مجلس الإنماء والإعمار والبنك الدولي أحياناً؟ وما الحقيقة في الملف المثار حول سدّ بسري؟

كل هذه الأسئلة تبرِّر طرح السؤال: هل انتفاضة الناس، أو «ثورتهم»، في كل المناطق والطوائف، مدروسة ومنظَّمة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمَن هم قادة «الثورة»؟ هل هم موجودون ولكنهم يعتمدون استراتيجية تقضي بعدم الظهور، أم أنّهم ليسوا موجودين أصلاً؟ وإذا لم يكونوا موجودين، فكيف تجري قيادة المليون شخص أو المليونين في الشارع؟

أما إذا لم تكن هناك قيادة لـ«الثورة»، فهذا يعني أنّ التحرّكات الشعبية «سارحة والربّ راعيها»… وهذا أمر جيِّد أن يكون «ربّ السماء» راعيها، لكن «أرباب الأرض» الكثر قد ينقضُّون عليها ويفترسونها لقمة سائغة. وعلى الأرجح، هؤلاء سوف يستشرسون عندما يشعرون بأنهم صاروا في الزاوية.

من مسلمات النجاح في أي ثورة أن تكون لها قيادة، وأن تكون للقيادة استراتيجية وبرنامج. هذه أبسط شروط الثورات. لذلك، نفترض أنّ «الثورة» القائمة «تخبئ» قيادة وبرنامجاً لتظهيرهما في اللحظة المناسبة، وإلا فالسلام على روحها… لا سمح الله!

هناك تجارب قريبة زمنياً وجغرافياً: «الربيع العربي» الذي فجَّر القهر المحتقن شعبياً، جرى تحويله في لحظات حروباً أهلية لا تنتهي. هناك، جرى اللعب على التناقضات الطائفية والمذهبية وتنافر الولاءات الخارجية والمحاور. وخربت كيانات وسقطت أنظمة أو تكرَّست. إذا، تمَ تثمير الحراك الاجتماعي سياسياً.

في المبدأ، حراك اليوم يجب أن يكون استكمالاً لـ«ربيع لبنان» 2005، بل يمكن اعتباره الخطوة التي كان يجب أن تتم آنذاك، لكنها لم تحصل لأسباب عدة. آنذاك، سقطت هيمنة سوريا لكن النظام السياسي الذي رعته واستولدت أركانه وسلطته لم يتغيَّر، بل استولد نفسه… ولو بصورة الصراع بين أركانه. ويوماً بعد يوم، ذابت مفاعيل «ثورة الأرز» لمصلحة هذا النظام بكل فساده.

واليوم، عملياً، تبدو المعادلة كالآتي:

إما نجاح النموذج الذي يحلم به «الثائرون»، كما حلموا في 2005.

وإما انهزامه مجدداً أمام النموذج الرجعي الذي يمثله زعماء الطوائف، بما يعنيه ذلك من زوال كامل لمفاعيل 2005.

طبيعي أنّ أركان النظام الرجعي، المنتفعين منه كثيراً، والذين يخافون على رؤوسهم من الإصلاح الحقيقي والقضاء الحقيقي واستعادة الأموال المنهوبة، يتواطأون ليهزموا «الثورة» و»الثوار» بأوهامٍ ووعود من جهة، وبالتهديد بالويل والثبور، من جهة أخرى. وهم لن يتورَّعوا عن إعادة لبنان إلى ما قبل 2005، إذا كان الأمر يتكفَّل لهم بأن «يهربوا بريشهم»!

لذلك، مسؤولية «الثوار» أن يتداركوا الأمر ويخرجوا ببرنامج واضح، ويقاتلوا به، قبل أن تسبقهم الأحداث. فهل هذا الأمر وارد؟

للتذكير، بعد آذار 2005، كانت الكلمة للعنف والدم. وهي التي تكفَّلت بأخذ الأمور في الاتجاهات التي ذهبت إليها. فحذار.

وحده الجيش هو ضمانة الأمن إزاء انهيار المؤسسات الأخرى كلها، ومعه مؤسسة مصرف لبنان ضمانة للمال والنقد الوطني. وعلى المؤسستين يمكن التعويل لتغطية التحوّلات الكبرى الآتية.

وبالتأكيد، سيلتزم الجيش تعهده بصيانة أمن الحراك المدني وأمن المؤسسات الشرعية في آن معاً. لكن مسؤولية تثمير هذا الحراك لا تقع على الجيش، بل على المنتفضين. هم المعنيون بالمبادرة وإنتاج الحلول التي تتكفّل بإنجاح «الثورة» وعدم سقوطها في مطبّ 2005 المؤلم.

للتذكير أيضاً، طرح فنان لبناني مقولة صائبة آنذاك: «لقد أعطَوْنا الاستقلال، لكنهم لم يرفقوه بالـmode d’emploi» (طريقة الاستعمال). واليوم، في «الثورة التصحيحية»، على «الثوار» ألا ينسَوْه في البيت، لأنّ أعداءهم موجودون على الساحة بكامل وَعْيِهم والاستنفار…