تفاجأ اللبنانيون وروّاد مواقع التواصل الإجتماعي بمشهدية رقص الطرابلسيين على أنغام موسيقى يلعبها «دي جي» في ساحة النور. إنّها «رقصة المُحتضر» انتفاضاً وغضباً وجوعاً وحاجة وتعباً ويأساً. الغضب واحد لدى اللبنانيين جميعاً، لكن لطرابلس وجعها الخاص. عاصمة الشمال كسرت قيد العزلة، وتحرّرت من سجّاني العقل في حبس التفقير والتجهيل والتخويف والتحريض الطائفي وزرع التطرف في علب «الإعاشات».
 

قد يبدو المشهد الطرابلسي في الأيام الأخيرة غريباً بالنسبة الى كثيرين. فالمدينة التي شُبِّهت بـ»قندهار» على مدى السنوات الماضية، وسيمت بصفتي الإرهاب والتطرف، وأُغرقت في معارك المحاور بين «الجيران»، لم يرَ وجهها كثيرون ولم يتعرّفوا إلى أهلها أو تذوّقوا حلوياتها. لم يدخلوا في زواريب أحيائها وشوارعها وأسواقها، ولم يُشاهدوا مغيب شمسٍ عن شاطئها.

المدينة السياحية والأثرية بطبيعتها ارتدَت فرضاً حجاب الفقر والإرهاب. في الأيام الماضية اجتمع في ساحة النور السنّة والعلويون والمسيحيون... وفاضت ساحة النور بغضب أبناء باب التبانة وجبل محسن والبقار والقبة والميناء والبحصاص والتل... مزّقوا صور الزعماء التي حملتها جدران منازلهم مثلما حملوها في قلوبهم لسنواتٍ طويلة، ووقفوا موحّدين في قلب الشمال تحت راية العلم اللبناني «أولاً وأخيراً».

الساحة لم تتسِع أمس لجميع الثائرين الآتين من عكار والضنية والمنية وزغرتا وبشري... فانتشروا في الطرقات المتصلة بالساحة. تلك الطرقات التي تشهد عادةً زحمة سير يومية تُرهِق الوجوه التي تختزن في تقطّعاتها التعب والقهر. أمّا الأمطار فلا تُخرج الطرابلسي من الشارع، هو الذي اعتاد هطول القذائف والرصاص على مدى سنوات.

 
 

في طرابلس للـ250 ليرة لبنانية قيمة. تجمعها النسوة والأولاد لشراء «القضامي المحلّاة» أو أي حلوى متوافرة. طعم الشوكولا لم تعرفه ألسن كثيرة جافّة منذ زمن. في طرابلس، حيث نسبة التسرّب المدرسي مرتفعة جداً، يعمل الأولاد والمراهقون مقابل 5000 ليرة يومياً... أو حتى 2000! في أسواق التبانة وغيرها المعايير الصحية معدومة على صعيد المأكولات وكلّ المنتجات. في طرابلس بيوت من «تنك» تختزن الجوع والبطالة والعوز والمرض... وفي طرابلس أسواق أجمل من لون الذهب والنحاس، تتلألأ ألوانها أكثر من القماش والثياب... لكنها خالية من الطيور والسيّاح... «الحمّامات» العربية والقلاع والآثار الكبيرة والصغيرة شبه مهجورة تطغى رائحة المجارير فيها على رائحة الصابون... وكنائس وجوامع ومدارس «عُظمى» مُطوّقة بالمحتاجين...

مدينة رؤساء الحكومات و»البؤساء» تغيب عنها الدولة في قطاعاتٍ عدة، حقوقاً وواجبات. مبانيها، التي ما زالت متشظّية ومُشوهة جرّاء حروب الأخوة والجيران تحت حجّة الدفاع عن الطائفة والزعيم والحزب والقضية والوجود، تحمل صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيس سعد الحريري والرئيس نجيب ميقاتي والرئيس الراحل عمر كرامي والوزيرين السابقين محمد كبارة ومحمد الصفدي والنائب فيصل كرامي والنائب السابق مصباح الأحدب... هذا كان ما قبل 17 تشرين الأول 2019. أمّا ما بعده، وإلى الآن، فكلّ الصُور مُزّقت وكل القصور حوصِرت، والسياسيون جميعاً منبوذون، لأنّ «الإعاشات» أو المساعدات بمناسبة عيدٍ أو انتخابات ما عادت تُشبِع. وما عاد اللعب على وتر سنّي - علوي، سنّي - شيعي، «المستقبل» - «حزب الله»، سنّة 14 آذار - سنّة 8 آذار... يثير في نفوس الأهالي أو الشباب ثورة وكرهاً للآخر. سقط القناع. الزعماء يجتمعون ويتفقون ويأكلون من جيوب «التابعين» ولا يشبعون... الأقارب تحاربوا والكبار تحالفوا و»يتساكنون». مشاريعهم تكبر خارج المدينة، وخط الفقر يتوسّع داخلها.

الساحات الطرابلسية كلّها توحّدت في ساحة واحدة. لا مطالب لهم، بل هناك حقوق يجب استردادها من سارقي الأحلام والطموحات. قبل «ثورة تشرين» ما كان أمام الطرابلسي إلّا البحر. الهجرة إلى أيّ بلد، بعيداً من البطالة والعوز مفتاحَي الإدمان والجرائم... والأمراض النفسية واليأس والانتحار صمتاً أو موتاً. النقمة الطرابلسية شملت جميع الزعماء وكلّ التيارات السياسية. أمّا الرد على بعض المتطرفين، الذين اعتبروا «الاحتكاك» بين الشابات والشبّان «حراماً» والرقص «تكفيراً»، فكان بتظاهرة شاملة سلميّة وحضارية. شبّان يحملون كهلاً لئلّا يتعب، آخرون يجمعون النفايات من الساحة، غيرهم يوزّعون المياه والطعام على المتظاهرين... البعض يزنّرون مداخل الساحة بعيونهم الثائرة، ويمنعون دخول أيّ مُندس على «موتوسيكل»... طرابلس ليست الرايات السوداء بل كورال الفيحاء، طرابلس ليست ميناء الإرهاب بل سمك الصيادين «الطازة». طرابلس ليست الرخص الأخلاقي بل الأخلاق في التجارة والبَيع بـ»رخص» لأنها «أم الفقير».

الطرابلسيون مثل اللبنانيين جميعاً، يريدون تغيير الطبقة الحاكمة بكاملها واسترداد الأموال والحقوق والأحلام المنهوبة. وفي حين كانت شريحة كبيرة من أهالي مدينة صور الجنوبية تُعتبر «البعبع» بالنسبة الى طرابلس، جرّاء الفرز السياسي - الطائفي، خصوصاً بعد اجتياح «حزب الله» بيروت في 7 أيار 2008، تجسّدت صور في طرابلس أمس، في القلوب والهتافات. فخَطّ الوجع والغضب والذل والضرائب والرسوم وسرقة الحقوق... عابرٌ للطوائف والمناطق والأحزاب.

المشاريع أين؟ الإنماء أين؟ التعليم وفرص العمل والإستثمار والسياحة والطرقات والبيئة... أين؟ أسئلة وجّهها المتظاهرون الى زعماء طرابلس الذين لم يقدموا الى مدينتهم إلّا الوعود و»الإعاشات». إنها سياسة التفقير للسيطرة «لنظل نَنتخبهم مقابل وظيفة مُذلّة أو دولارات مسروقة من جيوبنا أو مساعدات عينية وقتية»، يقول متظاهرون. ويضيفون: «طفح الكيل، نتضوّر جوعاً ولا نريدهم... فقرنا سيهدّم قصورهم».