ما مدى تأثير العقوبات الاميركية على الشعب الايراني
 

كما كان يتوقع الخبراء في الشؤون الإيرانية العارفين بطبيعة شعبها المقاوم  فإن العقوبات الأميركية التي فرضها الرئيس ترامب ضد هذا الشعب وتباهى به معتبرا إياها أقسى العقوبات التي يمكن فرضها على اي بلد، بدأت تعطي ثمارها ولكن على النقيض مما كان يتوقعه ترامب. ذلك لأنه كان يتوقع أن تؤدي تلك العقوبات إلى زعزعة الاقتصاد الإيراني وتجويع الشعب وإثارته ضد النظام لتنتهي الأوضاع إما إلى إسقاط النظام أمام المتظاهرين او دفع النظام إلى رفع راية الاستسلام والجلوس مع الشيطان الأكبر على طاولة المفاوضات والخضوع لاملاءاته. 

وكان هناك فريق من الصقور في البيت الأبيض يمثله جون بولتون مستشار ترامب السابق  للامن القومي يحلم بإسقاط النظام الإيراني عبر الضغوط الداخلية والتدخل العسكري الأميركي في آن واحد في حين ان الفريق الآخر في البيت الأبيض نفسه كان يعول على عودة إيران إلى طاولة المفاوضات مع ترامب بفعل تلك العقوبات المدمرة ويبدو ان ترامب هو كان يرأس هذا الفريق الأخير وقد صرح اكثر من مرة قبيل تنفيذ الحظر وفي بدايته أن إيران ستعود إلى التفاوض معنا بعد شهرين من تنفيذ تلك العقوبات. ولكن بعد مرور عام والنصف على بدء تنفيذها نرى أن إيران لم تركع تحت ضغوط العقوبات ولم تستسلم وأن النظام لم يسقط وأن المظاهرات الشعبية العارمة التي كان يتوقعها ترامب لم تنطلق في المدن الإيرانية وبل ان صمود الشعب الإيراني أطاح بفريق الصقور في البيت الأبيض وأسقط زعيمهم جون بولتون الذي أقاله ترامب عن منصبه بشكل مهين جدا. 

 

اقرا ايضا : ايران والسعودية: هل التطبيع مثير للخجل؟

 

وبموازاة ذلك افشل الرئيس الإيراني خلال تواجده في نيويورك سبتمبر الماضي مخطط نظيره الأميركي في جره إلى أمام عدسات الكاميرات لالتقاط صور معه وخيب أمله في تحقيق هذا الحلم رغما للتوسط الفرنسي والبريطاني. 

وبالرغم من أن العقوبات الأميركية تركت فعلا تاثيرا سلبيا على اكثر من قطاع في إيران وطالت حتى مجال الأدوية والغذاء إلا أنها جعلت الشعب الايراني يتضامن ويتماهي مع النظام اكثر من أي وقت مضى منذ عقود وخلقت لدى نفوس المواطنين حالة من النفور والكراهية للشيطان الاكبر واعادت لشعار الموت لأمريكا مصداقية ومعنى بعد ما فقد هذا الشعار الجزء الاكبر من معناه وجدواه في السنوات الأخيرة.  

ان ترامب هو الذي قدم تلك الخدمات للنظام الإيراني ويبدو ان منسوب العداء لأمريكا لدى الشعب الإيراني تجاوز حدودها المألوف التي توقف عندها النظام الإيراني والدليل على ذلك هو استطلاع للرأي الذي قام به مركز الدراسات الدولية والأمنية التابعة لجامعة مريلاند الأميركية في المجتمع الإيراني. فوفق هذا الاستطلاع للرأي الذي نشره  وصلت نسبة النفور للولايات المتحدة في إيران إلى 86 في المائة وان 72 في المائة من المجتمع النموذج الذي اختاره فريق المستطلعين لجامعة مريلاند يرفضون تقديم أي تنازل إيراني نظرا لتجربة الاتفاق النووي الفاشلة حيث أن القوى العظمى لا يحترمون مواثيقهم وعقودهم. وفيما يتعلق بابقاء إيران على الاتفاق النووي او انسحابها منه فيبدو ان النتيجة مثيرة للدهشة حيث ان 59 في المائة من المواطنين الإيرانيين يرفضون الإبقاء ويرغبون في انسحاب بلادهم من الاتفاق النووي.

 كما ان 74 في المائة يدعمون خطط النظام في تخفيف تعهداته التي صرح عليها الاتفاق النووي.  الشعب الذي يطالب اليوم بالانسحاب من الاتفاق النووي هو ذاك الشعب الذي خرج الى الشوارع محتفلين بإبرامه في 2015.  

وبموازاة ذلك فان 64 في المائة يعتقدون أن الولايات المتحدة قد مارست كل ما كان بوسعها من فرض العقوبات ولم يبق هناك قطاع يمكن ان يتأثر بحظر أميركي جديد.   تلك النتائج هي غيض من فيض ما تركته العقوبات الترامبية ضد الشعب الإيراني. ان ترامب كان يتوقع أن عقوباته ستخرج المواطنين الإيرانيين إلى الشوارع يهتفون بشعار الشعب يريد اسقاط النظام في حين الشعب الإيراني الأبي يريد حاليا إسقاط الاتفاق النووي والانسحاب منه بعد انسحاب ترامب منه. إن هذا التطور لم يكن يحصل لو لم يكن ترامب وعقوباته التي دمرت الانطباع الإيجابي الذي كان لدى الشعب الإيراني بالنسبة للولايات المتحدة. هذا هو التغيير الذي حصل لدى الشعب الإيراني بعد إعادة العقوبات الأميركية. سبحان مقلب القلوب!