لقد أصبح من الواضح بأن تدخل العسكريين في السياسة يُغذي طوح الكثيرين من ضباط الجيش في تحقيق ما يصبون إليه من الاستيلاء على الحكم وإدارة شؤون البلاد
 
الكاتب: وليد شوشة
 
خلق الله الناس أحراراً، ومن جملة الحرية؛ حرية اختيار من يحكمهم، ومراقبته ووزرائه في تنفيذ وعودهم، ومحاسبتهم إذا قصروا، بل وعزلهم من مناصبهم إذا تمادوا في غيهم وظلمهم وفسادهم، والخروج عليهم عبر ثورة سلمية تخلعهم، وتهدم نظامهم الفاسد. وقد ضمنت الشرائع السماوية، والنظم والقوانين الدولية والأممية حق الشعوب في الحرية واختيار حاكمها، وطبيعة نظامها السياسي. ولقد بذل العالم الحر وجهد حتى استقر إلي الديمقراطية، وتداول السلطة، وتحديد ولاية الرئيس؛ الذي اعتبرته عاملاً أو موظفاً متعاقداً مع الأمة لأداء مهمة وواجب حدده الدستور، ولا ينبغي الحيد عنه، أو الميل عليه. إذ الحكومة في نظرهم أداة لخدمة الشعب ويجب أن تخضع لرقابته.
 
وظلت هذه الشعوب؛ مفتحة العيون على النظام الحاكم، مراقبة لحركاته وسكناته وقراراته، ومدي التأثير السلبى أو الإيجابي لعمله ونشاطه عليها. كما ظلت على الدوام مهتمة لشأن أوطانها، متابعة بحرص لجميع قضاياه الداخلية والخارجية، وواقفة بالمرصاد لكل من تسول له نفسه، أو يُحدثه شيطانه، بخيانة أو فساد أو تفريط في الأرض أو العرض أو الشرف الوطني والقومي، أو في حقوق ومكتسبات الشعوب. ولقد وصلت الديمقراطية وتعدد الأحزاب في الدول الغربية شأواً بعيداً، تمكنت شعوبها من المشاركة في صناعة الحالة الديمقراطية والحفاظ عليها، وظل وعيها ضامناً لا غنى عنه لانتظام عمل تلك المؤسسات الديمقراطية.
 

ووصلت هذه الدول الغربية المتقدمة بفضل نظامها الديمقراطي، وصحوة شعوبها ويقظتها فيما وصلت إليه اليوم من الاستقرار السياسي والتقدم على كافة المجالات والأصعدة، والنهضة والقوة، مع فصل الجيش عن السياسة؛ فيما يعرفه الجميع ولا يجهله أحد. وفي عالمنا العربي برزت إلي الحكم بعد ضعف السيطرة الأجنبية وتحرره؛ عبر ثورات شكلية، وانقلابات عسكرية فعلية؛ طبقة حاكمة ذات مصالح راسخة أخذت تهيمن شيئاً فشيئاً على مؤسسات الدولة، ومفاصلها. ثم بدأت هذه الطبقة من العسكريين الذين هيمنوا على الحكم بالقوة في معظم البلاد العربية، من حل جميع الأحزاب والهيئات، وتجفيف كل منابع السياسة، وإنشاء نظام الحزب الواحد، والذي قام تحت رعايتها وفي كنفها، أو السماح لاحقاً بتكوين عدد من الأحزاب الكرتونية، المحدد لها سلفاً مسارها ودورها، والتي أصبحت أحزاب سياسية هزيلة بقيادتها. وقلما تمكن الحزب الواحد أو الأحزاب الشكلية من تأمين أساس راسخ للمؤسسات الديمقراطية.

لقد أظهرت تجربة الحكم العسكري في جميع الدول العربية التي سيطر عليها، أن الجيش إذا ما تدخل في السياسة فلا يُنتظر أن يخرج منها، وإذا ما تمكن العسكر من تولى السلطة في البلاد حتى يُصبح من العسير جداً ارغامه عن التخلي عن الحكم، والاستمرار في التدخل في كيان الدولة حتى يُهيمن على السلطات المدنية كلها. وكانت أول تجربة لانقلاب عسكري في العراق عام 1936 والتي استمرت حتي العام 1941، عندما اصطدم الجيش بالحكومة البريطانية وارغم على التخلي عن الحكم، وتسليم السلطة إلى المدنيين. ثم توالت الانقلابات العسكرية تباعاً، وتلازم معها هيمنة الحكم العسكري، وسيطرة الجيش على مفاصل الدولة، واستمراريته لفترات وصلت إلى أربعين سنة، حتى جاءت الثورات العربية وخلعتهم جميعاً.

وفي بداية كل انقلاب، لم يقل العسكريون بأنهم يرغبون في السلطة، ولم يُبدون رغبتهم في تولى الحكم. يقول الدكتور مجيد خدوري: "أما رجال الجيش فإنهم كانوا دائماً يُنكرون رغبتهم في التدخل في الشؤون السياسية أو تسلم الحكم، وكانوا يؤكدون أنهم لم يتدخلوا قط إلا لازاحة حكومة لا يؤيدها الشعب وتنصيب أخرى يؤيدها عامة الجماهير، وأنهم إذا ما استولوا على السلطة فلن يكون ذلك إلا من أجل نقل السلطة من يد الفئة الحاكمة المستغلة إلى يد الزعماء من الشباب. أما عملياً فإن رجال الجيش لم يكونوا مستعدين قط للتخلي عن السياسة إذا ما توصلوا إلى تولى الحكم، وأن فترة الانتقال التي تعهدوا خلالها بتنفيذ الوعود السخية( كتطهير البلاد من مفاسد الحكم القديم، وتنفيذ اجراءات اصلاحية) طال أمدها إلى أكثر مما كانوا هم أنفسهم يتوقعون. وبدا أن الحكم العسكري يميل إلى البقاء في الحكم إلى أجل غير مسمى، كما أن العسكريين لم يظهروا استعداداً للتخلي عن السلطة التي صارت في أيديهم، وتسليمها إلى أيدي سياسيين يختلفون معهم في الآراء ووجهات النظروهكذا فإنهم ما إن جلسوا على كراسي الحكم حتى رأوا بأنهم قادرون على حكم وطنهم قدرة غيرهم وإذن فاستمرارهم في الحكم خير لهم وأبقى".

 

بين الحكم العسكري والمدني.. لماذا علينا أن نختار المدني؟ قبل 17 دقيقة خلق الله الناس أحراراً، ومن جملة الحرية؛ حرية اختيار من يحكمهم، ومراقبته ووزرائه في تنفيذ وعودهم، ومحاسبتهم إذا قصروا، بل وعزلهم من مناصبهم إذا تمادوا في غيهم وظلمهم وفسادهم، والخروج عليهم عبر ثورة سلمية تخلعهم، وتهدم نظامهم الفاسد. وقد ضمنت الشرائع السماوية، والنظم والقوانين الدولية والأممية حق الشعوب في الحرية واختيار حاكمها، وطبيعة نظامها السياسي. ولقد بذل العالم الحر وجهد حتى استقر إلي الديمقراطية، وتداول السلطة، وتحديد ولاية الرئيس؛ الذي اعتبرته عاملاً أو موظفاً متعاقداً مع الأمة لأداء مهمة وواجب حدده الدستور، ولا ينبغي الحيد عنه، أو الميل عليه. إذ الحكومة في نظرهم أداة لخدمة الشعب ويجب أن تخضع لرقابته.

وظلت هذه الشعوب؛ مفتحة العيون على النظام الحاكم، مراقبة لحركاته وسكناته وقراراته، ومدي التأثير السلبى أو الإيجابي لعمله ونشاطه عليها. كما ظلت على الدوام مهتمة لشأن أوطانها، متابعة بحرص لجميع قضاياه الداخلية والخارجية، وواقفة بالمرصاد لكل من تسول له نفسه، أو يُحدثه شيطانه، بخيانة أو فساد أو تفريط في الأرض أو العرض أو الشرف الوطني والقومي، أو في حقوق ومكتسبات الشعوب. ولقد وصلت الديمقراطية وتعدد الأحزاب في الدول الغربية شأواً بعيداً، تمكنت شعوبها من المشاركة في صناعة الحالة الديمقراطية والحفاظ عليها، وظل وعيها ضامناً لا غنى عنه لانتظام عمل تلك المؤسسات الديمقراطية.

لقد أصبح من الواضح بأن تدخل العسكريين في السياسة يُغذي طوح الكثيرين من ضباط الجيش في تحقيق ما يصبون إليه من الاستيلاء على الحكم وإدارة شؤون البلاد ووصلت هذه الدول الغربية المتقدمة بفضل نظامها الديمقراطي، وصحوة شعوبها ويقظتها فيما وصلت إليه اليوم من الاستقرار السياسي والتقدم على كافة المجالات والأصعدة، والنهضة والقوة، مع فصل الجيش عن السياسة؛ فيما يعرفه الجميع ولا يجهله أحد. وفي عالمنا العربي برزت إلي الحكم بعد ضعف السيطرة الأجنبية وتحرره؛ عبر ثورات شكلية، وانقلابات عسكرية فعلية؛ طبقة حاكمة ذات مصالح راسخة أخذت تهيمن شيئاً فشيئاً على مؤسسات الدولة، ومفاصلها. ثم بدأت هذه الطبقة من العسكريين الذين هيمنوا على الحكم بالقوة في معظم البلاد العربية، من حل جميع الأحزاب والهيئات، وتجفيف كل منابع السياسة، وإنشاء نظام الحزب الواحد، والذي قام تحت رعايتها وفي كنفها، أو السماح لاحقاً بتكوين عدد من الأحزاب الكرتونية، المحدد لها سلفاً مسارها ودورها، والتي أصبحت أحزاب سياسية هزيلة بقيادتها. وقلما تمكن الحزب الواحد أو الأحزاب الشكلية من تأمين أساس راسخ للمؤسسات الديمقراطية.

لقد أظهرت تجربة الحكم العسكري في جميع الدول العربية التي سيطر عليها، أن الجيش إذا ما تدخل في السياسة فلا يُنتظر أن يخرج منها، وإذا ما تمكن العسكر من تولى السلطة في البلاد حتى يُصبح من العسير جداً ارغامه عن التخلي عن الحكم، والاستمرار في التدخل في كيان الدولة حتى يُهيمن على السلطات المدنية كلها. وكانت أول تجربة لانقلاب عسكري في العراق عام 1936 والتي استمرت حتي العام 1941، عندما اصطدم الجيش بالحكومة البريطانية وارغم على التخلي عن الحكم، وتسليم السلطة إلى المدنيين. ثم توالت الانقلابات العسكرية تباعاً، وتلازم معها هيمنة الحكم العسكري، وسيطرة الجيش على مفاصل الدولة، واستمراريته لفترات وصلت إلى أربعين سنة، حتى جاءت الثورات العربية وخلعتهم جميعاً.

وفي بداية كل انقلاب، لم يقل العسكريون بأنهم يرغبون في السلطة، ولم يُبدون رغبتهم في تولى الحكم. يقول الدكتور مجيد خدوري: "أما رجال الجيش فإنهم كانوا دائماً يُنكرون رغبتهم في التدخل في الشؤون السياسية أو تسلم الحكم، وكانوا يؤكدون أنهم لم يتدخلوا قط إلا لازاحة حكومة لا يؤيدها الشعب وتنصيب أخرى يؤيدها عامة الجماهير، وأنهم إذا ما استولوا على السلطة فلن يكون ذلك إلا من أجل نقل السلطة من يد الفئة الحاكمة المستغلة إلى يد الزعماء من الشباب. أما عملياً فإن رجال الجيش لم يكونوا مستعدين قط للتخلي عن السياسة إذا ما توصلوا إلى تولى الحكم، وأن فترة الانتقال التي تعهدوا خلالها بتنفيذ الوعود السخية( كتطهير البلاد من مفاسد الحكم القديم، وتنفيذ اجراءات اصلاحية) طال أمدها إلى أكثر مما كانوا هم أنفسهم يتوقعون. وبدا أن الحكم العسكري يميل إلى البقاء في الحكم إلى أجل غير مسمى، كما أن العسكريين لم يظهروا استعداداً للتخلي عن السلطة التي صارت في أيديهم، وتسليمها إلى أيدي سياسيين يختلفون معهم في الآراء ووجهات النظروهكذا فإنهم ما إن جلسوا على كراسي الحكم حتى رأوا بأنهم قادرون على حكم وطنهم قدرة غيرهم وإذن فاستمرارهم في الحكم خير لهم وأبقى".

 

وعند الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال السيسي على أول تجربة للحكم الديقراطي في مصر، خرج السيسي بزيه العسكري يخطب الناس: "يقولون بأن هذا حكم عسكر. لا والله ما حكم عسكر. ولا فيه أي رغبة ولا إرادة لحكم مصر". ثم خرج لا حقاً بزيه العسكري يتقدم للترشح لحكم مصر: "اليوم أقف أمامكم للمرة الأخيرة بزيّ العسكري بعد أن قررت إنهاء خدمتي كقائد عام للقوات المسلحة، وزيراً للدفاع والانتاج الحربي، أتقدم لكم معلناً اعتزامي الترشح لرئاسة جمهرية مصر العربية". لقد أصبح من الواضح بأن تدخل العسكريين في السياسة يُغذي طوح الكثيرين من ضباط الجيش في تحقيق ما يصبون إليه من الاستيلاء على الحكم وإدارة شؤون البلاد. وقد اتضح من التجربة أنه بعد ما يحقق ضباط الجيش أهدافهم ويستولوا على الحكم فإنهم سريعاً ما يواجهون مشاكل معقدة من نوع جديد لم يألفوها في حياتهم العسكرية؛ والتي تختلف تماماً عن الحياة المدنية، وواقع الحكم المدني، أهمها على الاطلاق الشرعية. فلا يمكن لحكم عسكرى أن يُعمر طويلاً إذا لم يكتسب الصفة الشرعية، وهذه لا تأتي إلا عن طريق إرادة شعبية. 

وطبيعة الحكم العسكري: أنه يؤجج الصراعات العسكرية الداخلية، ويفتح شهية العسكريين على الحكم. يُروى أن نوري السعيد رئيس وزراء العراق ترامى إلى سمعه بأن العقيد رفعت الحاج سري متورط بمحاولة انقلاب فاستدعاه وقال له: "لقد ترامى إلى بأنك متورط في تدبير مؤامرة ضد العهد. فهل هذا صحيح؟ فأنكر سري. فقال له نوري: اصغ إلي، إذا ما قُيض لمؤمراتكم أن تنجح يوماً ما فإن صراعاً مريراً سينشأ بين العسكريين، صراعاً لا ينتهي حتى يشنق بعضكم بعضاً". وبالفعل قد دب الخلاف بين العسكريين المنقلبين في العراق وكان أول من أُعدم منهم رفعت الحاج سري نفسه مع جماعة من زملائه الضباط.

والخلاف بين جمال عبد العناصر ورفيقه عبد الحكيم عامرمعروف، والصراع بين السيسي وعنان، الذي كانت نتيجته سجن الأخير حتى الآن قد ظهر إلى السطح، ومازالت هناك بعض خفاياه. لذا تتطلب عملية بناء نظام سياسي ديمقراطي دائم في البلاد التي تتعرض للتغيير، ظروفاً ملائمة ومناخاً لهذا البنيان، وتقع المسؤولية في ذلك على عاتق النخبة أو الصفوة من رجالات البلاد. يقول أرسطوطاليس: "إنه يجب أن يُثقف المواطنون وفقاً لروح الدستور الذي يعيشون في ظله". وعليه يجب أن تختار الأمة وتدافع عن اختيارها في أن تحكم نفسها بنفسها، وأن تختار حاكمها ونظامها السياسي، وأن تظل واعية مراقبة لمن اختارته وتعاقدت معه على إدارة شؤون البلاد، وأن تقف لكل محاولات العسكريين للانقلاب أو السيطرة على الحكم، لأن نتيجتها وخيمة، وعاقبتها مُرة، واستبدالهم صعب، وبرامجهم هزيلة، ومشاكلهم كثيرة، وفسادهم كبير، وأطماعهم لا حدود لها.