نجح قانون الانتخاب الذي طرحه رئيس مجلس النواب نبيه بري، في تحقيق ما لم تحققه التحالفات والتفاهمات المسيحية - المسيحية، الاستراتيجية منها أو الآنية. ففي حين وحّد «قانون بري» الموقف المسيحي رفضاً له، تغيب هذه «الوحدة» عن ملفات وقضايا عدة. حتى أنّ لجنة المتابعة المنبثقة من «اللقاء الماروني»، الذي عقد في بكركي في 16 كانون الثاني الماضي، لم تنجح الى الآن في تأدية مهمتها، وتوحيد الموقف المسيحي حول أيّ موضوع قبل طرحه على الصعيد الوطني، مثل تفسير المادة 95 من الدستور، فلكلّ فريق مسيحي تفسيره الخاص لـ»المناصفة».
 

لكلّ حزب أو تيار من الأحزاب والتيارات المسيحية - المارونية الأبرز، موقف مختلف من معظم القضايا الوطنية والمسيحية. فقد يلتقي حزبان على مقاربة قضية معينة، إلّا أنّ الإجماع الشامل على قضية واحدة، لم يشهده المسيحيون منذ زمن.

 

أخيراً، أتى قانون الانتخاب المقترح من كتلة «التنمية والتحرير» ليوحّد الموقف، إذ إنه بالنسبة الى غالبية الأفرقاء المسيحيين «قانون العدّ». لكن في الموازاة، تبرز قضايا أخرى ملحّة توازي بأهميتها قانون الانتخاب، مثل الوضع المالي - الاقتصادي والنزوح السوري والحضور المسيحي في الدولة والمناصفة والشراكة، فضلاً عن الرؤية الى الدولة وسلاح «حزب الله» والاستراتيجية الدفاعية... إلى قضايا أقل أهمية، مثل التعيينات والشؤون المناطقية والإنمائية... كلّها قضايا تتطلّب توافقاً مسيحياً، تسعى البطريركية المارونية الى تأمينه. توحيد الموقف المسيحي هدفه تحصين هذا الموقف وتقويته، قبل طرحه على بقية الأفرقاء في الوطن، إن في مجلس النواب أو غيره من المؤسسات الدستورية، الأمر الذي يدعّم المطلب ويساهم في الاتفاق عليه وطنياً، فيما الشرذمة والتفرقة وتعدّد المواقف والمصالح الخاصة تحول دون تحقيق أيّ مطلب.

أمّا موقف بكركي من القضايا الوطنية والمسيحية فقد يلتقي مع موقف فريق مسيحي أو آخر حسب القضية المطروحة، إلّا أنّها وبمعزل عن موقفها، تركّز على الالتقاء والحوار للخروج بموقف واحد وجامع يتفق عليه الجميع، أياً يكن هذا الموقف.

 

ففي حين وافق البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي رئيس الجمهورية في تفسيره للمادة 95 من الدستور، لناحية أنّ المناصفة يجب أن تكون في كلّ الوظائف وليس فقط في وظائف الفئة الأولى، ما يتعارض مع مواقف بقية الأقطاب المسيحيين، برز أخيراً موقف الراعي المطالب بـ«مسؤولين جدد ومن نوع آخر في لبنان»، متماهياً مع مطلب «القوات» والكتائب باستقالة الحكومة وتأليف حكومة اختصاصيين.

هذا المطلب «ليس دعوة الى استقالة الحكومة بمقدار ما هو دعوة الى تحمّل المسؤولية، ومن لا يستطيع تحمّل هذه المسؤولية فليتنحّ»، حسب ما توضح مصادر بكركي لـ«الجمهورية»، مشيرةً إلى أنّ «رأي البطريرك من الحكومة واضح منذ ما قبل تأليف الحكومة الأخيرة، فهو يفضلّ حكومة اختصاصيين مصغّرة تعمل، وبعيدة من التجاذبات السياسية وشدّ الحبال، كما يحصل في هذه الحكومة».

 

في موضوع النازحين السوريين، تشدّد بكركي مثل عون ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، على ضرورة عودتهم الى بلادهم. ومقاربة هذه العودة من القضايا التي تسعى البطريركية جاهدة الى توحيد الموقف المسيحي عليها، وتعمل على ذلك من خلال اللجنة المنبثقة من اللقاء الماروني، والتي تجتمع في بكركي برعاية الراعي ومتابعته، إلّا أنّ هذا الموضوع الذي طُرح في الاجتماع الاول للجنة لم يتفق عليه حتّى الآن، إذ إنّ اللجنة لا تجتمع أساساً.

وكان من المفترض توحيد الموقف من هذا الموضوع الملحّ أولاً، لتتوالى مناقشة المواضيع الأخرى، والاتفاق عليها، ونقلها الى مجلس النواب، والسعي الى ترجمتها في قوانين وقرارات، لكن الى الآن، وبعد مرور نحو 9 أشهر على اللقاء الماروني في بكركي والاجتماع الأول للجنة المنبثقة منه، ليس هناك موقف موحّد من أي قضية وطنية - مسيحية، ولا لقاء ماروني موسّع ثان، ولا حتى اجتماعات للجنة التي تضمّ نواباً يمثّلون الأحزاب والشخصيات المسيحية - المارونية.

 

وكان من المُنتظر دعوة بكركي إلى حوار مسيحي حول المادة 95 من الدستور حصراً، لتكون موضع بحث ونقاش بغية توحيد الموقف منها، إلّا أنّ هذا اللقاء لم يُعقد لا على مستوى اللجنة ولا على مستوى رؤساء الأحزاب أو الكتل النيابية. وفيما يُمكن توحيد الموقف من القضايا الأخرى تحت سقف بكركي، إلا أنّ توحيده من تفسير المادة 95، كان مستحيلاً قبل 17 تشرين الحالي، الموعد الذي كان محدداً لتلاوة رسالة رئيس الجمهورية حول هذه المادة ومناقشتها في مجلس النواب، حسب ما تؤكد مصادر بكركي، فالراعي ليس موجوداً في الصرح البطريركي لـ«رعاية» أي لقاء، بل يزور رعاياه والجاليات اللبنانية في أفريقيا.

مع تأجيل الجلسة النيابية الى ٢٧ تشرين الثاني المقبل، يعود الأمل بتوحيد الموقف، على رغم أنّ مواقف الأفرقاء لا توحي بإمكانية تحقيق ذلك. أمّا عدم اجتماع اللجنة المنبثقة من اللقاء الماروني، فسببه الأجواء السياسية المشحونة التي لم تساهم في تسريع هذا الاجتماع أو غيره من اللقاءات، حسب مصادر بكركي.

 

وإذ تؤكد أنّ اجتماع اللجنة سيحصل عاجلاً أم آجلاً، تشدّد على «ضرورة أن يعمد الأفرقاء المسيحيون الى تخفيف الشحن إعلامياً وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً الى التوقف عن التحدي والنكايات والتخوين، فيجب أن يكون هناك جو إيجابي ملائم يساعد على الحوار، الذي يتطلّب إسقاط الأنانيات والمصالح الشخصية».

 

في إطار مساعيه لإيجاد الحلول ومعالجة القضايا الوطنية والمسائل الأساسية، يستمر الراعي في التحدث بوضوح وتسمية الأمور وتحديد المسؤوليات والتحذير من المخاطر، إن في عظاته أو خلال لقاءاته المسؤولين اللبنانيين أو الأجانب، كذلك خلال زياراته الخارجية. وينطلق تشديده على ضرورة توحيد الموقف من قضايا ومسائل وطنية على مستوى الأحزاب والنواب، من خطورة المرحلة على كلّ المستويات، إضافةً الى الخلل داخل الدولة الذي يهدّد العيش المشترك والهوية اللبنانية، فضلاً عن أنّ «القصة مش عندو». وتقول مصادر بكركي: «نحن نحكي ونصرخ ونقترح ونساعد ونجري اللقاءات والحوارات، إلّا أنّ القرار لدى المؤسسات الدستورية والمسؤولين وليست لدينا».