تظاهر آلاف العراقيين على مدى أربعة أيام، فسقط منهم برصاص قوات الأمن، والميليشيات الإيرانية أكثر من مائة قتيل وآلاف الجرحى. أما اللبنانيون فتظاهروا مرتين في يومي أحد متواليين، وما سقط منهم أحد! هل كنا سنُسرُّ لو سقط أحدٌ من اللبنانيين؟ بالطبع لا. إنما ما كان يمكن أن يسقط منهم أحدٌ لأنهم مُرسَلون. متظاهرو لبنان -ولبنان يستحق أن يكون فيه محتجون- أُرسلوا للشارع من ضمن رسائل متبادلة بين أطراف النظام، أما العراقيون فأمرٌ مختلفٌ تماماً. لقد أرادوا الخروج على النظام، فقُتل منهم قرابة المائة والخمسين وسقط آلاف الجرحى!

 


نزل المتظاهرون للشارع في العراق في عدة محافظاتٍ شيعية بالوسط والجنوب لشعورهم باليأس لانعدام جميع أسباب الحياة، من كهرباء وماء وعمل. وكانوا بلا قائد ولا خطة وإنما جمعتهم وسائل التواصل. ولذلك خاف منهم الإيرانيون، وأطراف النظام السياسي الذين يدين معظمهم بالولاء لإيران. إنما عندما قيل لهم: تعالوا نتفاوض، صار لهم قائد، وفاوضوا في بغداد وفي الديوانية، والناصرية، والنجف. وما تظاهر غير قليل من البصريين، لماذا؟ الآن حالتهم حسنة؟ بالطبع لا، لكنّ شبان البصرة تلقوا درساً في مظاهرات السنة الماضية بالقتل والسجن. واغتيل بعد خمود المظاهرات يومذاك وبعد أن خمدت عشرات «الخروجات»، معظم قادتها من جهاتٍ مجهولة بالطبع. ولا شكّ أنّ ذنوب هؤلاء كانت كبيرة فقد صوّرتهم الكاميرات وهم يحرقون القنصلية الإيرانية بالمدينة، لذا كان عليهم، نعم عليهم: أن يموتوا!

 


في ثاني يوم من المظاهرات بدأ إطلاق النار عليها. وبدا أنّ الدولة حزمت أمرها لضرب المظاهرات. لا، لم يكن ذلك قد حصل بعد. الإيرانيون قرروا وضربوا، عادل عبد المهدي رئيس الحكومة، تحيّر في حجم المتظاهرين، وأراد سماع مطالبهم. وهم بدأوا الجلوس مع رئيس الوزراء، مثلما جلسوا من قبل مع رئيس مجلس النواب، وطمأنوهما إلى أنهم لا يملكون مطالب سياسية! ماذا يريدون إذن؟ مساكن وفُرص عمل وكهرباء وماء. ماذا قال لهم رئيس الوزراء؟ قال: أعتذر عن التأخر في الخدمات، وسأقوم بما في وسعي للتقريب بين وجهتي نظر: وجهة النظر التي تقول بمواجهتكم بالعنف، ووجهة النظر الأُخرى التي تريد الجمع بين الأمرين. أما الأمر الآخِر الذي طلبه الشباب من الرئيس فهو التحقيق فيما وقع من قتلٍ في صفوفهم!

 


العراق مثل لبنان؛ لجهتين: جهة سيطرة الميليشيات الإيرانية عليه، وجهة مشاركة الذين نجحوا في الانتخابات الأخيرة في الحكومة. كنعان مكية الذي جاء من بوسطن ولندن للمشاركة في تحرير العراق وحكمه، عاد فهرب عام 2006 لأنه وجد أنّ زملاءه الثلاثة عشر الذين جاءوا من المنافي وسيطروا في «مجلس الحكم»، هم أنفسهم الذي يثيرون الفتنة الطائفية، وينهبون أموال الدولة، ولا يأبهون لما يُرتكب من جرائم، أو أن يحصل المواطن على ماء أو كهرباء أو عمل! ونفس الناس، من دون تغييرٍ كبيرٍ، هم الذين نجحوا في الانتخابات الرابعة منذ عام 2005. وإنما أُضيف إلى مكاسبهم الأسطورية أنه صار عندهم بعد عودة الأميركان وظهور «داعش» ميليشيات «الحشد الشعبي»، الذين شُرعنوا وصاروا جزءاً من القوات المسلحة في الرواتب فقط؛ لكنهم لا يخضعون إلاّ لرؤسائهم الإيرانيين أو العراقيين العائدين من إيران وسوريا. توظفوا بعشرات الآلاف، وبقوا بعد ضرب «داعش» على أيدي الأميركان في مناطق «الدولة» ينهبونها ويضطهدون السكّان، إضافة إلى المرتبات التي يتقاضونها!

 


حتى لا يقتل الأمنيون والإيرانيون كل المتظاهرين قال هؤلاء إنهم لا يفهمون في السياسة، ويريدون فقط أن يعيشوا بكرامة. ووقّع الرئيس على بعض القرارات، لكنه قال إن الأمر يحتاج إلى وقت للتنفيذ، كما أنّ الحكومة مفلسة. ماذا يفعلون؟ قرروا العودة للشارع وتحمل القتل، لكنهم وجدوا أن الشوارع محتلة بفئتين: شعبويو مقتدى الصدر، وميليشيات «الحشد الشعبي» باللباس المدني!
فيما عدا تونس حتى الآن، ومصر لأنها بيد الجيش؛ كل البلاد العربية التي صارت فيها حراكات، تحكمها الميليشيات. وقد كتب أحد الخبراء في الشأن الإيراني ساخراً: لو بقيت مصر بأيدي الإخوان لثلاث سنوات، لصارت فيها ميليشيات تركية مثل ليبيا. ومع ذلك فإنّ هناك من يأمل بعد في المتظاهرين، وفي المجتمع المدني، وفي إمكانيات الديمقراطية. الشاب العراقي الذي كان سائراً في مظاهرات الديوانية أجاب عندما سُئل عن رأيه في إسقاط الحكومة، وإعادة الانتخابات، كما يقترح الصدر: «أعوذ بالله، الصدر منهم، والانتخابات القادمة ستكون أسوأ، إذ من يملك المال للإنفاق في الانتخابات!»، وماذا عن عادل عبد المهدي؟ قال: «أحسنّا به الظن، لأنه استقال من وزارة البترول أيام المالكي، وقلنا إنه عصيٌّ على الفساد. حسنته الوحيدة أنه ليست عنده ميليشيا، لكنه أسير (التركيبة)»!

 


بقيت المناطق السنية بالعراق هادئة هذه المرة، للخشية من الاتهام بالتسلل أو الداعشية. أما الأكراد فيحسون بالتهميش، ويشمتون على ما يصيب مناطق حلفائهم السابقين.
عرف المتظاهرون العراقيون الشباب أنه لا فائدة من التجمهر. وأنّ قوات الأمن لن تكون أرأف بهم من الميليشيات، وأنّ النظام لا يمكن إسقاطه أو تغييره، وأن الحكومة منتخبة مثل حكومة سعد الحريري وجبران باسيل ذات الصوت التفضيلي. فلماذا خرجوا إلى الشوارع إذن؟ خرجوا لأنهم يئسوا تماماً، والوضع الآن أنه لم يعد لهم مكان في الشارع، ولا يستطيعون العودة إلى بيوتهم خشية الملاحقة والاستفراد. سليماني جاهز، وخامنئي يأمره بالتوسع واستجلاب الغنائم.

 


الأمين العام لـ«حزب الله» بلبنان عندما تسمعه يقارن بين السعودية والإمارات، وجمهورية قائده خامنئي، تحسب أنه يتحدث عن جنة عدن! وها هي البلدان التي تدخلت فيها إيران: العراق وسوريا ولبنان واليمن. البلدان إمّا خربت أو على وشك أن يحدث ذلك. حتى لبنان الذي استعصى على إسرائيل وسوريا والحرب الأهلية، وقع بين عجائب نصر الله، وعجائبية سليماني! فيا للعرب.