فجأة استفاق اللبنانيون على موضوع الذهب الذي تملكه الدولة، والمُخزّن في قسم منه في الولايات المتحدة الأميركية، وبدأت المطالبات بـ«استدعائه» الى لبنان خوفاً من مصادرته من قبل الدائنين في حال تخلّفت الدولة اللبنانية عن الدفع. ما أهمية هذا الملف، وهل الذهب في خطر فعلاً؟
 

منذ السبعينيات، يعيش اللبناني تحت مظلة احتياطي من الذهب، كوّنه مصرف لبنان منذ الستينيات، حتى بلغ حوالى 286.5 طناً، قيمتها حالياً حوالى 16 مليار دولار.

وتحوّل الذهب، الذي تمّت حمايته ومنع بيعه من خلال القانون 42 الذي منع التصرّف بالموجودات الذهبية لدى البنك المركزي، الى نوع من المظلة النفسية التي كانت توحي للمواطن بنوع من الأمان وراحة البال، رغم اشتداد العواصف.

منذ فترة، ولسبب أو لآخر، تمّ فتح نقاش حول مصير الذهب اللبناني المكدّس في الولايات المتحدة الأميركية، من زاوية ان هذا الذهب في خطر، لأن وجوده في أميركا يعني أنه يخضع للقانون الأميركي، وانه قد يتعرّض للحجز والمصادرة من قبل دائنين قد يرفعون دعاوى قضائية في الولايات المتحدة ضد الدولة اللبنانية، في حال تخلّفت الأخيرة عن دفع مستحقات سندات الدين.

هل هذا الخوف مبرّر، وهل صحيح ان لبنان غير قادر على استعادة الذهب اليوم في حال قرر ذلك؟

في محاولة الإجابة لا بد من التذكير بالوقائع الآتية:

اولا- ان تخزين الذهب في مراكز أميركية محصّنة تدبير تعتمده مجموعة كبيرة من الدول، في خطوة تهدف الى حمايته، بسبب ارتفاع المخاطر في هذه الدول المعرّضة للهزات.

ثانياً- ان توزيع الذهب بين الداخل والخارج يشبه التنويع في محفظة الاستثمارات، وهو مبدأ ينصح به خبراء المال والبورصة لضمان عدم تعرّض المستثمر لخسائر باهظة في حال حصر استثماراته في قطاع واحد. بمعنى آخر، تطبيق المثل الشعبي المعروف: لا تضع البيض كله في سلّة واحدة.

ثالثاً- عندما يكون الاقتصاد مُدولراً، كما هي حال الاقتصاد اللبناني، لا يكون الذهب نقطة الضعف الأساسية التي قد نخاف عليها في حال الافلاس. اموال الدولة واموال اللبنانيين في القسم الاكبر منها موجودة بين يدي المصارف الاميركية، والفدرالي الاميركي. باستثناء ما نملكه من دولارات كاش، وهي ليست كثيرة كما أظهرت عملية التفاعل مع السوق السوداء، كل ما تبقّى من أموال مقيّدة دفترياً، مصيرها مرتبط بنيويورك.

ولعلّ نموذج العقوبات، وكيفية ذوبان اي مصرف تضعه اميركا على اللائحة السوداء، هو بمثابة تأكيد على ان اقتصادنا، بالمعنى النقدي، ممسوك أميركياً بالكامل.

رابعاً - اذا كان القلق الذي يبديه البعض يتعلق بالقانون الأميركي، واحتمال اللجوء الى القضاء لمصادرة الذهب، فان هذا القلق يمكن ان يشمل الدولارات المقيدة لدى المصارف الاميركية، وقيمتها تفوق قيمة كامل احتياطي الذهب الذي يملكه لبنان. وبالتالي، اذا كان الخطر قائماً فعلا، فانه حتماً لا يتعلق بالذهب حصراً.

خامسا- من الناحية القانونية، تملك الدول وفق القانون الدولي، وهو أعلى مرتبة من قوانين الدول الخاصة، ويجري تطبيقه في الخلافات والنزاعات الدولية، حصانة سيادية (Sovereign immunity). هذه الحصانة تمنع، من الوجهة القانونية، حجز أي موجودات تعتبر انها من ضمن سيادة الدولة.

وحتى في نزاعات التحكيم الدولية (arbitration) ولو تخلّت دولة ما عن حصانتها السيادية لجهة القبول بنتائج التحكيم، لا يمكن تنفيذ الاحكام من خلال مصادرة املاك تدخل في نطاق السيادة.

سادساً- ان الحالات التي تلجأ فيها الولايات المتحدة الأميركية الى مصادرة اموال وثروات الدول لديها كثيرة ومتنوعة، لكن القاسم المشترك فيها حصول اضطرابات وتغيير أنظمة في هذه الدول، بطرق تعتبرها واشنطن غير ديمقراطية.

وبالتالي، تكون الذريعة المقدمة لتجميد الاموال هي ان السلطة القائمة في بلد ما، لا تمثّل الناس فعليا، وبالتالي يتمّ تجميد الأموال بانتظار قيام سلطة ديمقراطية منبثقة من انتخابات حرة، تستطيع عندها المطالبة واسترداد الاموال المجمدة.

طبعاً، لا يمكن الادعاء ان التصرّف الأميركي هنا طوباوي ويهدف فقط الى حماية ثروات الدول من سلطات لا تمثل الناس. الحسابات السياسية تدخل بقوة، وتجميد الاموال او الافراج عنها يتحول الى أداة تستخدمها واشنطن وفق حساباتها السياسية ومصالحها مع الدول المعنية.

سابعاً - وأخيراً، النقطة الأهم تكمن في الاجابة على السؤال التالي: هل يمكن الجزم بأنّ وجود الذهب في لبنان أكثر آماناً من وجوده في الولايات المتحدة في حال الإفلاس؟

وهل يضمن من يطالب باستدعاء الذهب ان الاوضاع في البلد ستكون طبيعية وهادئة في حال الوصول الى الافلاس؟ وهل من ضمانات لعدم عودة الصراعات، أو لعدم استغلال أطراف الوضع لمحاولة السيطرة الكاملة على البلد.

الإفلاس الذي يخشاه من يطالب باسترداد الذهب، أزمة خطيرة، ونتائجها لن تكون عادية. ما قد نشهده في حال الافلاس، قد يجعلنا نشكر الله على بقاء الذهب خارج البلاد. لذلك، من الأفضل توحيد الجهود، وتركيز الحملات، لمنع الوصول الى الافلاس، ولنترك الذهب في حاله.