اذا امعنا التدقيق في طبيعة العلاقات الداخلية على مستوى الطبقة السياسية سيتبين لنا بوضوح انها تشبه الى حد بعيد المثل الشعبي القائل " لاتهزو واقف عشوار" ففي أقلّ من أسبوعين كانت علاقة الرئيس ميشال عون مع معظم القوى السياسية التي يتشارك معها في السلطة، قد دخلت في أزمة وجود، فقد ذهب الى نيويورك وسط هدوء نسبيّ، ثمّ عاد وسط عواصف صاخبة، كأنّ ما ظهر على السطح كان كامناً وينتظر وصول الأزمة لينفجر دفعة واحدة. فهل يكون ما حصل خطوة أولى في مسارٍ قد تدفع التطورات إلى قلب الطاولة على الجميع؟ وهل ما يتعرض له الرئيس الحريري من ضغوط ستدفعه إلى حدّ الاستقالة طوعاً، كما يطالبه بعض المقرّبين حتى داخل الحكومة، أو قسراً نتيجة الضغوط التي تزداد يوماً بعد يوم؟!. 

 

 

بالنسبة إلى المقرّبين من رئيس الحكومة، يمكن وضع رسالة نيويورك تايمز الأخيرة في إطار الضغوط على الحريري لتغيير سلوكه المبالغ في "الليونة" مع أطرافٍ باتت هي المتحكّمة به وبحكومته، وعلى رأسها "التيار الوطني الحر"، ومن خلفه حزب الله،لكن، وبمُعزَلٍ عن فهم الحريري لهذه الرسالة العابرة للحدود، يبدو الرجل ضائعاً، بين تمسّكه بالتسوية الرئاسية، التي أعادته إلى الحكم مع انطلاقة العهد القوي، وبين ضرورة إرضاء حلفائه الإقليميين والدوليين، الذين لا يمكنه الاستغناء عنهم، مهما اشتدّ الضغط عليه. وقد سمع الحريري في جولاته الخارجية الأخيرة، من الولايات المتحدة إلى فرنسا مروراً بالسعودية، الكثير من الكلام حول وجوب تصدّيه للمواجهة، في ضوء السخونة التي تطبع الصراع الإقليمي هذه الأيام، وأدرك بأنّ سيف العقوبات المسلَّط  قد يتمدّد أكثر وأكثر، وأنّ الولايات المتحدة جادّة بنيّتها توسيع هذه العقوبات إلى الحدّ الأقصى المُتاح.بعض المصادرلا تتردد في القول أن إستهداف الحريري هو إستهداف غير مباشر لـ حزب الله، بغض النظر عن الخلافات السياسية بين الجانبين، حيث أن الحزب يدعم وجود رئيس الحكومة في موقعه، نظراً إلى ما يشكله ذلك من ضمانة على مستوى الإستقرار الداخلي، في حين أن الجانب المقابل يعتبر أن إستهداف أو إزاحة الحريري من موقعه هو خطوة في مسار التضييق على الحزب، لا تنفصل عن الضغوط الإقتصاديّة التي تمارس من جانب الولايات المتحدة وبعض الدول العربية.

 


ليس مفهوماً، استمرار الهجوم على رئيس الحكومة سعد الحريري. هجوم، ادى إلى توتير البلاد سياسياً، بدلاً من الإنصراف نحو البحث عن حلول جدية للأزمات الإقتصادية والإجتماعية التي اصبحت على شفير التفجر. تتحدث بعض المعلومات عن أن الخلافات السياسية التي تجددت، تتعلق ببعض اللقاءات التي عقدها المسؤولون السياسيون في الخارج، وخصوصاً ما جرى التداول به في لقاء رئيس الحكومة من جهة، ورئيس الجمهورية من جهة أخرى مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.

 


من الواضح أن الضغط على الحريري يستمر، من جهات متعددة، الامر الذي دفع الحريري إلى البدء بجولة اتصالات سياسية في الكواليس، بهدف تعزيز الوحدة الداخلية، ومنع تفاقم الأزمة السياسية، لكنه أيضاً أوصل رسائل إلى مختلف القوى السياسية، بانه لن يسمح بأن تستمر عملية الإبتزاز، ليس لأسبابه الشخصية، إنما دفاعاً عن التزامات لبنان مع الخارج، ولان ما يحتاجه لبنان من مساعدات خارجية تنقذ اقتصاده يبقى أهم من أي تفاصيل أخرى تتعلق بالمكاسب وبتسجيل النقاط.

 

إقرأ أيضًا: هل دخل لبنان الدائرة المشتعلة أم لا ؟

 


ولكن أيضاً، الحريري الذي وجد نفسه في فوهة كل المدافع للقوى الأخرى، وفي وقت كان باسيل يطلب زيارة المركز الرئيسي لتيار المستقبل، لفتح صفحة جديدة مع كوادر التيار والبيئة السنية، كان نواب آخرون يلجاون  إلى توجيه الإتهامات إلى الحريري، في إشارة تؤكد أنهم قابعون في الماضي الذي لم يتركوه، فشنوا هجوماً على الحريري والرئيس الشهيد رفيق الحريري، الأمر الذي دفع رئيس تيار المستقبل إلى اتخاذ قرار بإلغاء اللقاء مع الوزير جبران باسيل، في موقف واضح منه بأنه لن يرضخ للإبتزاز، وبأنه للصبر حدود.

 


ووسط كل هذه التوترات السياسية، على ما يبدو أن الأمور تسير نحو الأسوأ على الصعيدين الإقتصادي وحرية التعبير السياسية، وسط استمرار اتباع سياسية الهروب إلى الأمام من قبل المسؤولين، ففي الوقت الذي تصدر فيه بعض المواقف التصعيدية منهم وبدل ان يراجعوا انفسهم يقوموا باتهام اللبنانيين بأنهم يثيرون الشائعات حول حصول أزمة إقتصادية ومالية، وبالتالي تجب ملاحقتهم والإدعاء عليهم، وهذه حالة من الإنحدار التي لم يصل إليها لبنان في تاريخه، حتى في زمن الوصاية السورية، لم يستطع النظام الأمني السوري اللبناني أن ينجح في قمع اللبنانيين جميعهم، وقالها وليد جنبلاط في فترة من الفترات، بأن السجون لا تتسع للجميع. عملية الهروب إلى الأمام وسياسة النعامة، لا توحي بجدية في معالجة الأزمات، إنما باستمرار إلقاء اللوم على الآخرين، والتهرب من المسؤوليات، لتبرير عدم تحقيق أي إنجازات...