ما الذي تبدّل بين حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى، التي انبثقت من انتخابات عام ٢٠٠٩، وحكومته الثالثة التي انبثقت من انتخابات عام ٢٠١٨؟ ما تبدّل هو أنّ محور الممانعة كان يريد إسقاط حكومة الحريري في الأولى وأسقطها فعلياً، فيما يتمسّك اليوم بحكومة الحريري الثالثة.
 

إختلفت أهداف «حزب الله» بين مرحلة ما قبل الحرب السورية التي كان يسعى فيها إلى إخراج ١٤ آذار من السلطة وإعادة الوضع إلى ما كان عليه في زمن الوصاية السورية، وبين مرحلة ما بعد هذه الحرب التي دفعته الى التبريد في لبنان مقابل التفَرُّغ للقتال في سوريا.

 

ففي المرحلة الأولى كانت أولويته محلية، خصوصاً أنه كان يرى انّ الخطر على وجوده ودوره خارج الدولة يتأتّى من الواقع اللبناني، فاندفع في مواجهة بين حدّين: حدّ الحفاظ على «الستاتيكو» بعد خروج الجيش السوري من لبنان في انتظار اللحظة التي يتمكن فيها من تغييره، وحدّ إعادة عقارب الساعة الى الوراء. وعندما وجد أنّ الفرصة مُتاحة عام ٢٠١١، أسقط حكومة الحريري بالثلث المعطّل من مقر حليفه في «ورقة التفاهم» في الرابية.

 

وقد راهن الحزب على أنّ إعادة إمساكه بمفاصل السلطة سيؤمّن له حكماً مديداً، وهو كان في حاجة، على غرار النظام السوري، إلى غطاء سلطوي مقبول لا يستطيع تأمينه مباشرة، إلّا أنه سرعان ما اصطدم بـ4 عقبات أساسية:

أولاً، اندلاع الحرب السورية من حيث لم يكن يتوقّع ويخطّط، فدخل حليفه السوري في ورطة ما بعدها ورطة، وبدلاً من أن يكون سنداً لانقلابه في لبنان تحوّل الحزب الى السند لاستمرار نظام البعث في السلطة، فتبدلّت أولوياته.

ثانياً، إعتقد أنّ الرئيس نجيب ميقاتي سيشكّل الغطاء السنّي لدوره وسياساته في رئاسة الحكومة، وأنه سيقفل معه الثغرة السنية في السلطة التي فتحت باغتيال الشهيد رفيق الحريري، وتحوّل السنة في اتجاه اللبنَنة والسيادة على حساب الخط السوري-الإيراني. ولكنه وجد نفسه أمام رئيس حكومة متصلِّب في الثوابت، وكأنه رئيس من ١٤ آذار وعلى وَقع توتّر سنّي في الشارع تَسلّلت إليه المنظمات الإرهابية.

ثالثاً، خروج ١٤ آذار من السلطة جعلَ الرئيسين ميشال سليمان وميقاتي في احتكاك مباشر مع «الحزب»، ووضعهما أمام خيار من اثنين: إمّا الخضوع له أو مواجهته. ومع اعتمادهما الخيار الثاني، أصبحت أولويته التخلّص منهما في انتظار انتهاء ولاية سليمان، وتكليف رئيس حكومة بالاتفاق مع الحريري طالما التشَدّد هو نفسه، مع فارق انّ اتفاقه مع «المستقبل» يُتيح له التخلّص من التفجيرات الإرهابية التي دخلت الى عمق بيئته.

رابعاً، تعامَل بكل جديّة مع التفجيرات الإرهابية التي استهدفت بيئته، ووجد أنّ الحل الأضمن لمواجهتها يكمن في إحياء التفاهم، واستطراداً المساكنة مع تيار «المستقبل»، الذي يتكفّل بالمواجهة.

 

ولكن من أبرز مؤشرات عودة «المستقبل» الى السلطة أنّ «حزب الله» لا يستطيع ان يحكم لبنان منفرداً، وأنه يحتاج الى شراكات وازِنة طائفياً، الأمر غير المتوافِر سوى عند المسيحيين من خلال تفاهمه مع عون. وبالتالي، هو في حاجة الى «المساكنة» مع «المستقبل» سنياً و«الإشتراكي» درزياً.

 

وقد راهنَ على الانتخابات النيابية من بابها النسبي، معتقداً أنّ بإمكانه إمّا إضعاف «المستقبل» لدرجة تكليف رئيس حكومة أفرَزته صناديق الاقتراع يمثِّل حالة مؤيّدة لخط محور الممانعة، وإمّا تكليف الحريري مع إبقاء سيف استبداله بشخصية تمثيلية للحالة السنية المناوئة له مركّزاً عليه، إلّا انه اصطدم بـ3 عوامل: الأول، صحيح أنه نجح في تحقيق الاختراق الذي سعى إليه سنيّاً، ولكنه غير كافٍ ولا يشكّل بعمقه حالة بديلة من «المستقبل».

والثاني، انّ اختيار شخصية لا توافق عليها السعودية سيؤدي الى إعادة توتير البيئة السنية وضرب أحد مرتكزات تسوية عام ٢٠١٦. والثالث، انّ الرئيس عون يفضِّل التعامل مع الحريري كعامل استقرار لعهده محلياً وسعودياً وغربياً.

 

فالمتحوِّل الأساس إذاً بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٩ يَكمُن في أنّ محور الممانعة كان يريد إسقاط الحريري سابقاً لقلب الطاولة، فيما يتمسّك به حالياً. ولكن المتحوِّل الأهم والاستراتيجي، الذي لم يكن يتوقّعه محور الممانعة يوماً، أن يتحول بقاء الحريري في الحكومة أو خروجه منها إلى استمرار التسوية أو سقوطها. وبالتالي، إنّ آخر ما كان يتصوّره الحزب أن يتحوّل الحريري الى حَجر الزاوية في المعادلة الوطنية: بقاؤه في السلطة يعني صمود التسوية، خروجه من السلطة يعني سقوط التسوية.

 

ومن الثابت أنه سيتعذّر على رئيس الجمهورية تشكيل حكومة من دون الحريري والدكتور سمير جعجع والنائب السابق وليد جنبلاط، ومن دون غطاء سعودي، وعلى وَقع ضغط الشارع الغاضب من الأحوال المعيشية، والضغط الأميركي المُتشدّد من باب العقوبات والمُقاطِع للعهد، والضغط الفرنسي من باب الإصلاحات.

 

وبالتالي، يشكّل خروج الحريري من السلطة سقوطاً للتسوية وكل السلطة، الأمر الذي يجعل «حزب الله» في حالة انكشاف سياسية بين فوضى الداخل واستهدافه من الخارج، ويضعه أمام احتمالين: إمّا تسوية جديدة بشروط جديدة لا تتلاءم مع متطلباته وأهدافه، وإمّا مواجهة قَدَره مع الداخل والخارج والدخول في مرحلة جديدة يصعب ضبطها، بسبب تداخل الوضع المتحرك محلياً وخارجياً.

وانطلاقاً من كل ذلك، أصبح استمرار الحريري في رئاسة الحكومة يفوق أهمية استمرار عون في رئاسة الجمهورية. ويبقى السؤال الأساس: هل يستفيد الحريري من حاجة «حزب الله» الوجودية له في رئاسة الحكومة لتحسين شروط «المساكنة» وربط النزاع والخط السيادي؟