«لو كنت تدرين ما ألقاه من شجن      لكنت أرفق من آسى ومن صفحا غداة لوحت بالآمال باسمة               لان الذي طاح وانقاد الذي جمح»  (الأخطل الصغير)

لست أدري اليوم إن كان من الواجب الترحّم على أيام المارونية السياسية أم لعنها، فعلى رغم من كل الشوائب التي اعترتها، لكنها تمكنت مع بعض الحكمة، من بعض الحكماء، أن تؤمّن نوعاً من التوازن المستحيل في لبنان، وإن لفترات وجيزة، فكان بعض البحبوحة، والقليل من الديموقراطية والحرية، رغم بحر من الديكتاتوريات التافهة المحيطة بنا من كل حدب وصوب.

في تلك الأيام النادرة، تمكّن بعض رؤساء الجمهورية الموارنة من إقناع الناس بأنهم لكل اللبنانيين، وعلى رغم من أنّ السلطات كانت بأيديهم من دون شركاء، فقد كانت الحكمة تدفعهم إلى التعقل. لكن السقطات القاتلة كانت تكراراً عندما تتجاوز النرجسية قواعد الحكمة، ويتحوّل الرئيس إلى زعيم عشيرة لا همَّ له إلّا السطو على كل شيء!

ما لنا ولكل ذلك الآن، فليس بنبش القبور تُبنى الدول ولا يتأمّن الإستقرار للأمم، لكنه قد يكون من المفيد أن يذكّر المرء هؤلاء أصحاب الذاكرة الإنتقائية، أو الذين لا يقرأون أصلاً لعطب في قدراتهم على الفهم. فالقضية اليوم هي استحضار كلام الرئيس الشهيد رفيق الحريري حول «أننا أوقفنا العدّ»!

ما هو غريب بالفعل هو أنّ الجهة التي لم تتوقف عن اتّهام الرئيس الحريري «بسرقة الحقوق»، تعود اليوم للإستشهاد بأقواله بعد استشهاده، بعد سنوات من محاولة الفريق ذاته حرمانه حتى من لقب شهيد ليصبح «فقيد العائلة»، والسعي إلى تشويه سمعته بكل الطرق. لكن لا بأس، فمَن كان يتآمر على رفيق الحريري في حياته، عاد واستشهد بأقواله وأفعاله في مناسبات أخرى.

فمَن اتّهمه بخدمة المشروع الأمريكي الصهيوني في حياته، عاد ليتّهم تيارَه بخيانة Tتاريخ رفيق الحريري العروبي»، ومَن اتّهمه في حياته بالتآمر ضد بشار الأسد، أصبح يتحدث عن خدمته لسوريا أثناء حياته. كلها وقائع موثقة مع غيرها من الأمور، وأهمها كان مثلاً حديث حسن نصر الله عن لقاءاته مع الحريري وعن دعم الأخير للمقاومة، في الوقت الذي كان أفرادُ حزبه الميامين يلملمون آثارهم على موقع الجريمة على نسق القاتل الذي يسير في جنازة ضحيته.

على كل الأحوال، فبعد سنوات من محاولة محو رفيق الحريري من الذاكرة، يعود أعداؤه إليه لدعم حججهم، وآخرها مسألة وقف العدّ في معرض الحديث عن المادة 95 التي استُحضرت من أرشيف الدستور لترسل إلى مجلس النواب للتفسير.

لن أدخل هنا في متاهات الجدل الدستوري والقانوني بخصوص المادة، على رغم من أنها لا تحتاج إلى تفسير، فكما قال المتنبي، «وليس يصحّ في الإفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل»، ولنترك لممثلي الشعب اللبناني القرار.

لكنّ مسألة وقف العدّ فلها حديث آخر، فمن حيث المبدأ، فلا بأس بالعد، فحتى في أعرق الديموقراطيات تدخل الإحصاءات في كل شيء ومن ضمنها تعداد الطوائف والإتنيات، لكنّ التعداد في لبنان له طعم آخر. فعندما قال رفيق الحريري أننا أوقفنا العدّ، فقد كان هذا على أساس المادة 95 من الدستور بالذات التي قالت بأنه من واجب رئيس البلاد أن يُنشئ الهيئة الوطنية لبحث مسألة إلغاء الطائفية السياسية، وبالتالي فإنّ مسألة «العدّ» كانت ستصبح وراءنا جميعاً لو أنّ المساواة بين المواطنين، بغض النظر عن طوائفهم، أصبحت اليوم أمراً واقعاً.

كان الأمل في «وقف العد» هو أن تصبح الكفاءة والنزاهة والنجاح في مباريات مجلس الخدمة المدنية هي وحدها معيار انفتاح أبواب الرزق للمواطنين، وبالتالي تساوي الفرص وعدالتها. عندها كانت المنافسة ستتوقف عن كونها على قدرة المرشح على تعفير جبهته على أعتاب أصحاب النفوذ لنيل نعمة الوظيفة، وستشلّ حتماً قدرة صاحب المعالي أو السعادة أو السيادة، وحتى دولة الرئيس أو فخامته، عن استعمال خدمات التوظيف لتجديد الولاء في ولايات لا تنتهي إلّا بنهاية العمر.

ووقف العد أيضاً، استناداً إلى إلغاء الطائفية، سيعني حتماً أنّ الولاء للدولة والخدمة العامة خارج القيد الطائفي هما المعياران الأساسيان لحماية الموظف وليس مرجعيته الطائفية أو السياسية. وأنّ هذا الموظف إن فسد، وهذا ممكن رغم كفاءته وقدراته، فلن يكون محمياً من العقاب ولا الحساب.

ربَّ ضارّة نفعت! فاليوم كل التمني هو أن يذهب نواب الأمة إلى المجلس في السابع عشر من تشرين الأول وأن يستنتجوا ما هو واضح في المادة 95 وهو أن يذهب الرئيس في أجل مسمى إلى تعيين الإجتماع الأول للهيئة الوطنية لجني منافع وقف العدّ، وبهذا فقط نفي لرفيق الحريري حقه.