من المؤشرات تخبرنا أن الأزمة اليوم والانهيار المنتظر إنما هو بسبب الخيارات السياسية للعهد وللاكثرية المتحكمة بالتموضعات الكبرى للحكومة.
 

وإن كنا من أوائل الذين ناشدوا القوات اللبنانية، وطلبنا منها الدخول الى الحكومة وتخطي كل محاولات العزل والاحراج من أجل الاخراج، وكل ما مورس عليها أيام التشكيل من ضغوط وعرقلات وتحديد حصص واسماء ووزارات، كل هذا بهدف طرد القوات اللبنانية، والهدف طبعا هو الاستئثار والتفرد بمغانم السلطة والجشع والتكالب ممن لا يرى من الحصص الوزارية الا وسيلة لنهب المال العام وتكديس ثرواته الشخصية وارضاء انتخابي لحاشيته ولمن حوله.

 

الفكرة حينذاك كانت بضرورة وجود وزراء "نضاف"، وصوت اعتراضي وازن من على طاولة الصفقات، المسماة زورا ب "الحكومة"، مع علمنا وعدم توهمنا، بأن هذا الصوت قد لا يشكل أكثر من حالة إزعاج وفضح لما يدور بالداخل اكثر منها حالة تغييرية منشودة.

  كنا نقارب الموضوع الحكومي والمشاركة فيها أو عدمه، من زاوية اقتصادية محض، ونتطلع الى الازمات التي نعانيها ويعاني منها البلد والمواطن اللبناني وتحميلها بشكل كبير الى سوء الادارة من جهة والى منظومة الفساد المافيوي من جهة اخرى، وعليه فكان وجود القوات اللبنانية كرافعة إصلاحية ولو بالحد الادنى بالوزارات التي قد تستلمها بأنها أضعف الايمان، بحيث نكون قد أنقذنا الوزارات التي يتسلمها وزراء القوات من عمليات النهب الممنهج، وهذا بحد ذاته يعتبر انجازا لا يجب التخلي عنه.

 

 

إقرأ أيضًا: عون والفساد الأكبر

 

  أما الآن، وبالأخص بعد أن انتقلت الازمة من أزمة فساد وسرقات، الى أزمة ذات طابع سياسي، مرتبط بشكل أساسي بالخيارات الاستراتيجية للدولة تنعكس بعد ذلك أزمات هي أشد وأدهى من تلك الناتجة عن الفساد، فأزمة الدولار وفقدانه من السوق اللبناني وانعكاس هذا الفقدان على كل الحركة الاقتصادية والمعيشية (بنزين، طحين، صادرات ...)، وتبخر مؤتمر سيدر وأمواله، بحسب الاجواء التي جاء بها الحريري من فرنسا، والحديث عن العقوبات التي قد تصيب مسؤولين رسميين بسبب علاقاتهم مع حزب الله ، وصولا الى ما ورد في صحيفة وول ستريت : " حان الوقت لاعتراف واشنطن بلبنان كدولة حزب الله، والتصرف وفقا لذلك" .

 

كل هذا وغيره الكثير من المؤشرات تخبرنا أن الازمة اليوم والانهيار المنتظر إنما هو بسبب الخيارات السياسية للعهد وللاكثرية المتحكمة بالتموضعات الكبرى للحكومة، وهذا ما يصر عليه يوميا رئيس الجمهورية ويترجمها مواقف عملية صهره وزير الخارجية، وليس آخره الامنتناع عن ادانة الهجوم على مصفاة ارامكو، او الاعتراض على تهديدات الامين العام لحزب الله باستعمال لبنان للدفاع عن ايران، كما فعلت الحكومة العراقية (الحليفة لايران)،

 مما يعني بأن الازمة اليوم قد انتقلت إلى أزمة من نوع آخر، وأن اصطفاف العهد الى جانب المحور الايراني بشكل فاضح ومعلن، مما يعني أن بقاء القوات اللبنانية داخل الحكومة الآن لا مؤدى له إلا إعطاء نوع من الشرعية لهذه الخيارات أو على الأقل السكوت عنها، وان أمام أزمة من هذا النوع فلا معنى حينئذ لأي معارضة من الداخل، ويصبح الخروج من الحكومة هو الاعتراض الاجدى، فهل حان وقت خروج القوات من الحكومة، حتى لا تتحول الى مجرد شاهد زور سياسي؟