اتخاذ عبدالمهدي لموقف سلبي حيال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يثير غضب الإدارة الأميركية.
 
كشفت مصادر سياسية عراقية رفيعة، عن رفض البيت الأبيض للمرة الرابعة طلبا من الحكومة العراقية بشأن إمكانية استضافة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في واشنطن واللقاء بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
 
ويسعى عبدالمهدي إلى لعب دور الوسيط في الأزمة الأميركية المتصاعدة مع إيران بعد فرض العقوبات عليها واتهامها في هجوم منشأة أرامكو، حيث قام بزيارة قصيرة إلى السعودية الأسبوع الماضي لم تسفر عن نتائج ملموسة.
 
وأطلق عادل عبدالمهدي تصريحات عامة عن “تهدئة الأوضاع ودرء أخطار نشوب أي صراع أو حرب وتلافي مضاعفات كل ذلك” بعد لقاء مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز.
 
وعزت المصادر العراقية “غضب” البيت الأبيض من رئيس الوزراء العراقي، إلى إصراره على الوقوف ضمن المنطقة الرمادية خلال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
 
إلا أن أوساطا دبلوماسية عربية في العاصمة واشنطن اعتبرت رفض الولايات المتحدة استقبال عبدالمهدي، لا ينطلق من رفضها وساطته التي هي ليست واردة، بل لأنها لا ترى معنى لما يمكن أن يقوله لها في ظل عجزه عن لملمة شتات الحشد الشعبي الذي يدين بكل أطيافه بالولاء لإيران.
 
يأتي ذلك في وقت سخر رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي من دور “ساعي البريد” الذي يقوم به عادل عبدالمهدي خلال الأزمة التي تشهدها المنطقة على خلفية التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
 
وقال العبادي في أحدث تعليق له إن “لدى الدول سعاة بريد، فلماذا نتطوع نحن لهذه المهمة.. هذا ليس عملنا”. وتابع “يجب أن نبذل جهدا حقيقيا لمنع اندلاع الحرب في المنطقة، لا أن نكتفي بنقل الرسائل بين أطراف الأزمة”، في إشارة إلى رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الذي قيل إنه نقل رسالة إيرانية خلال زيارته إلى السعودية مؤخرا.
 
وعندما سئل عن حقيقة السلاح الإيراني الذي منح للعراق مجانا خلال حقبة الحرب على داعش، ابتسم العبادي وقال “لم يحدث هذا”. وأضاف “الأميركيون هم الذين منحوا العراق بعض الأسلحة بالمجان، وليس الإيرانيون”. لكنه استدرك قائلا “هذه الدول تفعل هذا من أجل مصالحها، وهذا ليس عيبا”.
 
وقبل أن يدلي بهذه التعليقات، ظهر العبادي في مشهد غريب مع نواب ائتلاف النصر الذي يتزعمه، بجانب نواب تيار الحكمة المعارض الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي عمار الحكيم.
 
وقرأ مراقبون في هذا الظهور إعلانا عن توجّه العبادي نحو قيادة مشروع المعارضة للحكومة التي يشاع على نطاق علني أنها تحابي إيران.
 
ويعتقد مقربون من زعيم ائتلاف النصر أن العبادي “بديل جاهز” لعبدالمهدي “وهو أفضل من يفهم ظروف وتعقيدات الأزمة في الخليج”.
 
ويقول العبادي إن “من المهم ألا يكون العراق حلقة في إشعال النزاع في المنطقة”، داعيا الحكومة والقوى السياسية إلى “منع أي احتكاك على الأرض العراقية”، في إشارة إلى ضرورة ضبط سلوك الميليشيات الموالية لإيران.
 
وأضاف “أتعاطف مع عبدالمهدي في سعيه إلى منع انتشار السلاح خارج إطار الدولة”، داعيا إياه إلى تنفيذ القرارات الحكومية الخاصة بضبط سلوك الحشد الشعبي، لا الاكتفاء بإصدارها.
 
وتابع أن “محاولة تقديس قيادات فاسدة في الحشد الشعبي هو أمر مرفوض” مؤكدا أن “المقدس هو المقاتل الذي ضحى بروحه لحماية أراضينا وأعراضنا”.
 
ومضى يقول إن قادة الحشد الشعبي الفاسدين “أسسوا جيوشا إلكترونية لضرب خصومهم السياسيين، واستخدموا الحشد الشعبي لتحقيق ثروات طائلة”.
 
وبالنسبة للمراقبين العراقيين، فإن الحديث عن وجود فاسدين في الحشد الشعبي، هو أشد درجات التصعيد ضد النفوذ الإيراني في العراق، إذ يعرف على نطاق واسع أن قادة الحشد الشعبي الفاسدين مرتبطون بطهران ومشروعها في المنطقة.
 
 
وحتى مع صعوبته البالغة، بسبب تعقيدات اختيار البديل، ما زال سيناريو الإطاحة بعبدالمهدي قائما، منذ طرحه بعد الجدل الذي رافق حراكه لتشكيل الحكومة، لاسيما بعد اختيار وزراء يمثلون أحزابا طائفية برغم تعهده باختيار كابينة مستقلين.
 
واعتبر مراقب سياسي عراقي أن أيا كان الشخص الذي يتقلد منصب رئيس الحكومة العراقية فإنه لن يقوى على مقاومة الضغوط التي تمارس عليه من جهات مختلفة. وهي جهات لا تحمل أي موقف إيجابي من مسألة احترام القرار العراقي وتعرف أن رئيس الحكومة لن يكون حرا في اختياره ولا يملك الجرأة لإعلانه والدفاع عنه.
 
وقال المراقب في تصريح لـ”العرب”، “يصلح ذلك على عبدالمهدي وسواه من الطامحين بالمنصب ومن ضمنهم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الذي لو أتيحت له فرصة العودة إلى منصبه وقد وقع عليه الاختيار بالصدفة فإنه لن يتمكن من النأي بالنفس عن صراع، يمثل العراق جزءا منه. وهو ما يدركه طرفا النزاع، إيران والولايات المتحدة. وفي ذلك عزاء لعبدالمهدي الذي صار على بينة من أن موقفه الضعيف سيبقيه في منصبه إلى أن تنتهي فترة ولايته”.
 
واستبعد المراقب أن يكون رفض الولايات المتحدة استقبال عبدالمهدي سببا في الإطاحة به بل العكس هو الصحيح إذ سيكسبه ذلك الرفض رضا زعماء الميليشيات الذين يديرون الوضع السياسي بما ينسجم والرؤية الإيرانية لموقع العراق في الصراع، باعتباره الملعب الأمامي المحتمل للحرب إذا ما وقعت. ناهيك عن أن الميليشيات ليست في حال يسمح لها بإجراء تغييرات على مستوى الواجهة السياسية التي يُعتقد أن عبدالمهدي بشخصيته المراوغة قادر على حفظ توازناتها بعكس العبادي الذي لا يقل عنه ضعفا غير أنه لن يتمكن من تهدئة الجميع.
 
وإذا كان العبادي قد عاب على عبدالمهدي لعبه دور ساعي البريد فإن ذلك الدور المشكوك فيه أصلا يُعتبر محاولة للهروب من مواجهة التزامات اتخاذ موقف محدد.
 
وانتظر العبادي نحو عام كامل بعد خروجه من السلطة، حتى يبدأ التعليق العلني على تركيبة حكومة عبدالمهدي وتقييمه لأدائها، فضلا عن حرصه على إرسال إشارات توضح توجهه السياسي، الذي يبدو أنه سيكون بعيدا عن إيران.
 
ويحافظ رئيس الوزراء العراقي السابق حتى الآن على مسافة واضحة تفصله عن النفوذ الإيراني في بلاده، برغم فقدانه جزءا كبيرا من الهالة الشعبية بعد مغادرة السلطة، العام الماضي، فيما يتزايد الغضب الأميركي على رئيس الحكومة الحالي عادل عبدالمهدي بسبب إصراره على البقاء في المنطقة الرمادية، خلال الصراع الدائر بين واشنطن وطهران.
 
وعندما اعترض المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، العام 2014، على استمرار نوري المالكي في منصب رئيس الوزراء لولاية ثالثة، طرح اسم العبادي كخيار تسوية، على اعتبار أنه ينحدر من حزب الدعوة أيضا، كما سلفه، ويلبي جميع الشروط الواجب توافرها فيمن يشغل أعلى منصب تنفيذي في البلاد، من قبيل انتمائه إلى المذهب الشيعي، وانعدام المؤشرات السلبية الإيرانية والأميركية حوله.
 
وقبل ذلك، كان العبادي من شخصيات الصف الثاني، برغم أنه شغل حقيبة الاتصالات في حكومة إياد علاوي العام 2004.
 
وحتى بعدما قدم أداء مخيبا خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وحل ثالثا بعد رجل الدين الشيعي المثير للجدل مقتدى الصدر وهادي العامري زعيم منظمة بدر المعروف بقربه الشديد من إيران، بقي العبادي مرشحا فوق العادة لشغل منصب رئيس الوزراء في العراق لولاية ثانية، لكن الاعتراض الإيراني كان أسقطه بسرعة.
 
وخلال ولايته بين 2014 و2018، اتهم زعماء ميليشيات عراقية موالية لإيران، شاركوا في الانتخابات العامة وحصلوا على مقاعد عديدة، العبادي بالميل إلى الولايات المتحدة ودول الخليج على حساب النفوذ الإيراني.
 
وعندما خسر الانتخابات، سارع العبادي، بعكس المالكي، إلى إعلان رغبته في تسليم السلطة بشكل سلس، ليكرس الصورة التي ارتبطت به خلال حقبته على رأس الجهاز التنفيذي، بأنه “حكيم وهادئ”.
 
وبسبب الظروف المحيطة باختيار عبدالمهدي لمنصب رئيس الوزراء في الحكومة الحالية، تراجع النقاش المتعلق بالعبادي، ولم يحصل على فرصة كي يجيب على تساؤل محيّر بشأن خروجه من الواجهة بهذه السرعة.