كان المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله) قد نجح في إعادة توحيد البلاد، وجمع الصف الداخلي، في محاولة ناجحة لإقامة دولة عصرية توائم التطورات السياسية المتسارعة في أوائل القرن العشرين، الأمر الذي مهد للمملكة الوليدة لاحقاً لأن تلعب دوراً غاية في الأهمية على صعيد جيوبولتيك العالم المتشكل وقتها، لا سيما خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.

الشاهد أنه طوال ثمانية عقود، أضحت المملكة العربية السعودية «رمانة ميزان»، إقليمية ودولية، في موقعها وموضعها، وباتت تشكل زاوية استقرار في منطقة مضطربة. عبر سنوات نشوء وارتقاء المملكة، أدت السعودية، ولا تزال، أدواراً متعددة على صُعد استراتيجية عدة؛ بعضها اقتصادي بوصفها منتج النفط الأهم في العالم، وبعضها إيماني ووجداني انطلاقاً من كونها المؤتمنة على أقدس الأماكن الإسلامية في العالم، عطفاً عن كونها الحليف الاستراتيجي الموثوق الذي مكن المعسكر الغربي من صد ورد التطلعات الشيوعية للوصول إلى المياه الدافئة طوال سنوات الحرب الباردة. على أن عيد المملكة الوطني هذا العام يأتي في وسط متغيرات سياسية وأمنية غير اعتيادية، فلا يفصله سوى بضعة أيام عن تعرض المملكة لحادث إرهابي من دولة لا تقيم وزناً لفكرة حسن الجوار، ولا تبدي أي اهتمام باحترام المعاهدات والمواثيق الدولية، وجل تفكيرها الوحيد موصول بالهيمنة والغطرسة والمكايدة السياسية.

على أن ردات فعل المملكة تبين قدر النضج السياسي الذي تتمتع به قيادتها بتوجيهات خادم الحرمين الملك سلمان، وبرؤى استشرافية تقدمية في مقدمها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وبدعم وزخم من الشعب السعودي الساعي إلى ذرى المجد من جديد.

المعروف، حسب البند الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة، هو أنه يحق للدولة المعتدى عليها أن تمضي في إجراءات ردع أي عدوان تتعرض له، حتى قبل أن تذهب إلى مجلس الأمن. غير أن توجهات المملكة تبين إلى أي حد ومد تحرص على السلم والأمن الدوليين، من خلال رفع القضية إلى الأمم المتحدة بداية، ومن بعد يحق لها أن تتخذ ما تراه نافعاً ومنافحاً عن أمنها الإقليمي وسلامة مواطنيها، والحرص على ترابها الوطني.

يمكن القطع، والمملكة تقترب من تسعة عقود على قيامها، أن حضورها الاستراتيجي حول العالم أضحى حقيقة مؤكدة، وخير دليل على ما نقول به مشهد التعاطف والتأييد الدوليين اللذين تبديا من خلال بيانات الشجب والإدانة لقصف منشآت «أرامكو» النفطية، قبل بضعة أيام، ما يعني أنها باتت قولاً وفعلاً رقماً صعباً في المعادلة الدولية.

الحديث عن المملكة في عيدها الوطني يستدعي عدة مشاهد؛ في مقدمتها النسيج المجتمعي السعودي الداخلي، الذي ضرب مثلاً رائعاً في الوقوف صفاً وراء قيادته في وقت كان الجميع يعده محنة، فإذا بها تتحول إلى منحة تدفع السعوديين إلى مزيد من التماسك وتقوية الصفوف، وبلورة رؤى موحدة تجاه الآخر الذي يريد أن يلحق بهم الشر اليوم وغداً.

يأتي العيد الوطني، هذه الأيام، والمملكة تلعب دوراً جوهرياً في محاربة وباء القرن العشرين والحادي والعشرين؛ وباء الإرهاب، ذاك الذي أفقد العالم أمنه وسلامه، ولهذا بادرت عقول السعودية إلى إحداث تحولات جذرية في طرق مواجهة ومجابهة طاعون القرن، إن جاز التعبير، عبر مراكز فكرية ودينية، ومن خلال مبادرات ورؤى مجتمعية، وجلها يسعى إلى استنقاذ شباب المملكة والمنطقة والعالمين العربي والإسلامي من الوقوع في براثن وهاوية الإرهاب الأسود.

عرفت المملكة، طوال تاريخها، بأنها شقيقة وفية ومخلصة لكل سياقاتها ونطاقاتها العربية والإسلامية، وهذا أمر يحمد لها، وتتذكره الأجيال المختلفة جيلاً بعد جيل من حولها، وبمزيد من الاعتراف بالجميل، ولهذا تبقى قيمتها الأدبية في نفوس من حولها عالية وغالية.

والثابت أنه لا يمكن الحديث عن المملكة في الحال، من دون النظر إلى توقعات ومآلات الاستقبال بالنسبة لها، لا سيما وأنها قابضة على جمر الإرادة الواعية من أجل إكمال «رؤية 2030»؛ تلك الساعية لوضع المملكة في مصاف الدول الكبرى والعظمى، بالعمل والأمل، وليس عبر التنظير الآيديولوجي، أو الإرهاب الفكري والمادي.

يقود الأمير محمد بن سلمان سفينة الوطن في بحار مليئة بأمواج عالية وعاتية، ولكنه ربان ماهر، يعرف كيف يوجه دفة بلاده في إطار من العصرانية والتحديث، والإبداع والابتكار، ومن دون أن يعني ذلك التنكر لتراث وجذور وأصول المملكة، التي تعد قيمة مضافة لأجيال اليوم، يمكن من خلالها استلهام الكثير من القيم الإيجابية الخلاقة كالوفاء والشهامة، وإغاثة الملهوف وعون المستجير، وما أبعدها من قيم رفيعة عن منطلقات البراغماتيات القاتلة، وعالم تسليع الإنسان في ظل عولمة تبدأ منظومتها في التفكك والتفسخ روحياً على الأقل.