رئيس الوزراء اللبناني يتعهد للرئيس الفرنسي بالذهاب في الإصلاحات إلى النهاية، مؤكدا اتفاق بلاده مع باريس على شراء معدات عسكرية بعد بدء التنقيب عن النفط.
 
تصدر الملف الاقتصادي زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى فرنسا، خاصة في ما يتعلق بتنفيذ مقررات مؤتمر سيدر الذي انعقد في مايو من العام الماضي وأقر دعما للبنان ناهز 12 مليار دولار شريطة التزام الحكومة اللبنانية بإدخال حزمة من الإصلاحات الجوهرية على اقتصاد البلاد الهش.
 
ويعول الحريري بشدة على “سيدر” لإنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية المتفاقمة، خاصة بعد التصنيفات الائتمانية الأخيرة (وكالة فيتش)، التي دقت ناقوس الخطر من أنه في حال لم تنفذ الإصلاحات المعلنة في المؤتمر المذكور، فإن اقتصاد البلاد سيكون على شفا الانهيار.

وتزامنت زيارة الحريري إلى فرنسا مع بدء المفاوضات بشأن موازنة العام 2020، والتي يخشى من أن تدخل في فوضى التجاذبات السياسية على غرار ما حصل مع موازنة العام 2019، خاصة وأنها ستتضمن جملة من الإصلاحات أكثر إيلاما، من المرجح جدا ألا يتقبلها الشارع اللبناني.

وأعلنت الحكومة اللبنانية الشهر الماضي حالة طوارئ اقتصادية في محاولة للسيطرة على الوضع المالي، مع تفاقم معدلات المديونية التي بلغت 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ونزيف حاد في احتياطي مصرف لبنان من النقد الأجنبي، ما شل العديد من القطاعات.

ويقول خبراء إن لبنان يشهد وضعا اقتصاديا لم يعهده منذ الحرب الأهلية، وسط مخاوف من أن حالة التوتر التي تطبع المنطقة، وانخراط طرف لبناني بقوة فيها، قد يعيقان  بإصلاحات عاجلة.

وكان رئيس الوزراء اللبناني وصل عصر الخميس إلى باريس قادما من الرياض، ما يؤكد وجود رابط سياسي واقتصادي بين الزيارتين، حيث أن السعودية أعلنت قبل يومين من جولة الحريري على لسان وزير المالية محمد الجدعان عن محادثات لتقديم دعم مالي للبنان.

وقال الحريري خلال مؤتمر صحافي عقب لقائه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجمعة، إنه سيبحث الحصول على مساعدة مالية من السعودية في لجنة ثنائية جديدة يشكلها البلدان. وأوضح أن العمل جار بشأن اللجنة الجديدة، وأنه يجري الإعداد لنحو 19 اتفاقا.

ولطالما شكلت السعودية سندا مهما للبنان طيلة عقود ماضية بيد أن هذا الدعم تراجع في السنوات الأخيرة لعدة اعتبارات لعل أهمها تغول حزب الله المدعوم من إيران في السلطة، وهناك مخاوف حقيقية من إمكانية أن يذهب جزء من الدعم المقدم إلى الحزب الذي ينشط في أكثر من جبهة بينها جبهات تستهدف مباشرة المملكة على غرار اليمن.

ويعتقد محللون أن أي دعم سعودي مستقبلي لن يكون صكا على بياض، بل سيكون رهين جملة من الشروط من بينها تقديم ضمانات حول مآلات صرف تلك الأموال.

وفي معرض تصريحاته من باريس أكد الحريري أنه اتفق مع الرئيس الفرنسي على التواصل أكثر لمتابعة مقررات “سيدر”. وأشار إلى أن “الرئيس ماكرون حريص على مساعدة لبنان وعلى أمنه واستقراره وأن يكون الأفرقاء السياسيون حريصين على الإصلاح”. وتابع “كانت للفرنسيين ملاحظات وأخذناها في الاعتبار والمهم الإسراع في تلك الإصلاحات”.

وقدم لبنان برنامجا إصلاحيا في مؤتمر سيدر من أبرز بنوده معالجة المالية العامة لخفض العجز من 10 بالمئة إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي خلال 5 سنوات وإصلاح القطاع العام ومكافحة الفساد. وتعهد لبنان في ذلك المؤتمر بالتركيز على ملفات الكهرباء والمياه والنفايات.

وواضح أن الحريري وعد فرنسا بالذهاب إلى الإصلاحات حتى النهاية كي يحصل لبنان على مساعدات “سيدر”.

وشدد الرئيس الفرنسي في المؤتمر الصحافي على أن بلاده ملتزمة بالكامل بتطبيق القرارات التي اتخذت في المؤتمر. وأضاف “لقد تم تخصيص 10 مليار يورو، وأنا سعيد لكوننا أقمنا اتفاقا مع الحكومة اللبنانية لإطلاقها بأسرع وقت ممكن. آمل أن يسمح ذلك لمجلس الوزراء ورئيسه بأن يتقدما في المشاريع، ولاسيما في قطاع الكهرباء والبنى التحتية والإصلاح الإداري، لما فيه مصلحة مباشرة لكل اللبنانيين”.

ويراهن لبنان إلى جانب “سيدر” على ملف التنقيب عن الغاز في المتوسط، بيد أن هذا الملف أيضا يصطدم بجملة من العراقيل في مقدمتها عدم التوصل لاتفاق مع إسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية، خاصة وأن تل أبيب تزعم أحقيتها في أكثر من بلوك يصر لبنان على تبعيته له.

وأعلن الحريري توقيع “خطاب نوايا” مع فرنسا لتزويد لبنان بمعدات عسكرية، تخول له “حماية” حقول النفط والغاز البحرية التابعة له في المستقبل.

وقال رئيس الحكومة اللبنانية مخاطبا الرئيس الفرنسي “وقعنا هذا الصباح خطاب نوايا مع حكومتكم بشأن شراء معدات فرنسية لتعزيز قدراتنا الدفاعية والأمنية”.

وأوضح للصحافيين في باحة قصر الإليزيه أنه “سيتم استخدام الجزء الأكبر لتجهيز قواتنا البحرية وتزويدنا بقدرات النقل الجوي البحري”، مؤكدا أن “هذا الاستثمار أساسي للبنان لضمان سلامة حقولنا النفطية والغازية البحرية والتنقيب فيها”. وكان الحريري عقد قبل اجتماعه بماكرون سلسلة لقاءات شملت أيضا وفودا من شركات فرنسية بينها شركة “توتال”.

ووقع لبنان العام الماضي للمرة الأولى عقودا مع ثلاث شركات هي “توتال” و”إيني” الإيطالية و”نوفاتيك” الروسية للتنقيب عن النفط والغاز في رقعتين في المياه الإقليمية.

ويستعد لبنان لحفر أول بئر قبالة شمال بيروت في ديسمبر، على أن تبدأ عمليات الحفر في رقعة تضم جزءا متنازعا عليه مع إسرائيل، في مايو المقبل.

وتضطلع الولايات المتحدة منذ أشهر بوساطة بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية والبرية بين البلدين، بيد أن الأمور لا تزال تراوح مكانها بسبب الانتخابات الإسرائيلية، والتغييرات التي طالت المكلفين الأميركيين بهذا الملف.

وقال الحريري إن فرنسا، التي تعد من الدول الداعمة تاريخيا للبنان، قد “أبدت مرة أخرى دعمها من خلال تقديم ضمانها للحصول على قرض بشروط سخية يصل إلى 400 مليون يورو” لشراء المعدات العسكرية المطلوبة.

وأوضح ماكرون من جهته أن خطاب النوايا الذي تمّ توقيعه يشكل جزءا “من المتابعة التطبيقية للالتزامات التي تعهدنا بها سويا في مؤتمر روما في مارس 2018 لتزويد الجيش اللبناني بالمعدات”.

وفي مؤتمر روما الذي خُصص لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، فتحت فرنسا خط ائتمان للبنان بقيمة 400 مليون يورو لدعم القوات المسلحة والقوى الأمنية، لاسيما البحرية منها.

ولم تخل زيارة الحريري إلى باريس من الحديث عن الوضع الإقليمي المتوتر، خاصة بعد استهداف السعودية في عمقها وضرب منشأتين للنفط تابعتين لشركة أرامكو ما أدى إلى تراجع إنتاج النفط إلى النصف.

وأعلن رئيس الحكومة اللبنانية أن “الرئيس إيمانويل ماكرون يعمل على خطة للتهدئة في الشرق الأوسط”.

ويخشى لبنان المأزوم اقتصاديا أن يجد نفسه في قلب مواجهة لا طاقة له لتحملها، خاصة وأن حزب الله الموالي لإيران والذي يعد قوة أساسية في لبنان قد هدد بأنه لن يبقى على الحياد في أي مواجهة تستهدف طهران.