إنّ السبب المعلن لسعي إيران إلى الحرب أنه ما دامت لا تستطيع أن تُصدّر نفطها، فينبغي ألا يستطيع أحدٌ تصدير نفطه ولو أدى ذلك إلى الحرب! ومن هذا «المنطق» يبدأ الفرنسيون في وساطتهم بين أميركا وإيران. فهم يريدون أن تسمح الولايات المتحدة لإيران ببيع نحو المليون برميل في اليوم، وفي مقابل ذلك، أو بالتوازي معه، تأمين 15 مليار دولار لها، ولهم في ذلك حسابات دقيقة، لا يوافقهم عليها الأميركيون.

 

أما الرئيس ترمب، وكما حصل مع كوريا الشمالية؛ فبعد أن بلغ الضغط إلى الأقاصي، راح يعرض على روحاني المقابلة، زاعماً أن إيران ترغب بشدة في الحوار، لكن روحاني أجاب أنه لا حوار إلا بعد إسقاط العقوبات. في حين ذكرت أطراف قريبة، أنّ المفاوضات الفرنسية - الإيرانية تقدمت، وأنّ الفرنسيين يُطلعون الأميركيين على كل جديد. والمسعى الحثيث هو لجمع ترمب مع روحاني في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أسبوعين أو ثلاثة.


لماذا هذه التفاصيل؟ لأنّ الضربات الإيرانية؛ مباشرة أو بالواسطة، ليست جديدة، ولها دائماً حجج إيرانية مختلفة، وثلاث من هذه الحجج هي الأبرز: الحجة الأولى: العلاقات السيئة مع السعودية، ومنذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي وإلى اليوم. والحجة الثانية: العدوان الأميركي من أواخر السبعينات وحتى اليوم. والحجة الثالثة: العدوان الإسرائيلي؛ وهو في نظر الإيرانيين فرعٌ على العدوان الأميركي.
لماذا هذا الحقد الإيراني على المملكة العربية السعودية؟ لأسباب عدة: المنافسة على مرجعية الإسلام، والمنافسة على الأرض العربية، والمنافسة على الموقع العالمي في مجال الطاقة والاقتصاد والعمران، وأخيراً العجز عن الاختراق.


في المجال الأول؛ مجال مرجعية الإسلام، أين هي إيران من المملكة؟ المملكة تقود العالم الإسلامي، ليس بسبب الحج والبيت الحرام والحرم النبوي الشريف فحسب؛ بل ولأنها تصدّت وتتصدى لهذا الموقع منذ أيام الملك عبد العزيز. وهذا أمرٌ أزعج إيران الخمينية دائماً، إلى درجة محاولتهم زعزعة أمن الحج بوسائل شتى، آخِرها بالمسيَّرات والصواريخ على مكة المكرمة وجوارها. باعتبار أنّ المملكة متكفلة بصون أمن الحج والحجيج، وهي لم تستطع ذلك. ثم جاء عمل إيران على الانقسام المذهبي في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والكويت؛ فأحدث ذلك بالتدريج عصبية سنّية في العراق ولبنان والكويت واليمن، لصالح المملكة، وبدأت تلتمس حمايتها من الحروب الطائفية المشنونة عليها في كل مكانٍ بالقتل والتهجير أو الدفع باتجاه التشييع. إنّ عامل «مرجعية الإسلام» لا يمكن التقليل من شأنه مهما جرى ادعاء العكس.

 

فإيران حكومتها حكومة دينية، وسيادتها من رجال دين ذوي وعي غائر بالأحقاد العقدية والتاريخية والسياسية. وعندما انتشرت تهمة الإرهاب ضد الإسلام (السنّي) بعد «11 سبتمبر» (أيلول)، سرعان ما استغلّها الإيرانيون لتشويه سُمعة الإسلام، وصار هؤلاء يسمون كل المسلمين (السنّة) إرهابيين وتكفيريين، وذلك من أجل استباحة قتالهم؛ وهو الذي فعلوه في سوريا والعراق ولبنان واليمن وأفغانستان.


أما العامل الثاني؛ وهو الصراع على الأرض العربية؛ فهو واضحٌ في كل مكان أقبلت فيه إيران على صناعة وتوليد ميليشيات مذهبية، وليس في لبنان فقط؛ بل في الكويت والسعودية والبحرين وغزة، فحتى في غزة اعتنقت فئة صغيرة تحت اسم «الصابرين» التشيع. وقد كان نهج إضعاف العرب يمضي عبر ثلاثة خطوط: خط الانقسام المذهبي من أجل نشر الفوضى بداية. أما الخط الثاني فهو محاولة الغلبة كما حدث في العراق ولبنان. وفي الخط الثالث وعندما لا يمكن استثمار الانقسام، ولا يمكن بلوغ الغلبة، يظلُّ النظام السري جاهزاً إما لتصديع الأمن، أو لمحاولات الاستيلاء من جديد. وقد حقق توجه الإضعاف ونشر الاضطراب نجاحات في سوريا والعراق ولبنان واليمن؛ بحيث صار الإيرانيون يفتخرون بأنهم سيطروا على أربع عواصم عربية. بيد أنّ النجاح الأكبر تحقق لهم بالاستحواذ على المسلمين المقاتلين من غزة ولبنان، مثل «الجهاد الإسلامي» و«حماس». وهكذا استطاعت إيران أن ترفع راية القتال من أجل تحرير فلسطين من خلال «الجهاد» و«حماس» و«حزب الله».


وما استطاعت إيران المنافسة على الموقع السعودي في تصدير الطاقة وتكنولوجياتها، وفي البنية الصناعية، وفي العمران الهائل، وفي الدخول على مجموعة الدول العشرين في الاقتصاد. فإذا كان السبب المعلن للإغارة على النفط السعودي إرغام الجميع على السماح بتصدير البترول الإيراني؛ فإنّ هناك سياسات الطاقة السعودية الحكيمة على مدى عقود في التعامل مع الأسواق العالمية والحكومات من جهة؛ وفي التنمية والتحديث الداخلي الهائل من جهة أُخرى. ولذلك، وعندما ضيّقت عليها الولايات المتحدة في مسألة تصدير الطاقة، تحرشت إيران بناقلات مملوكة لدول عدة، لكنها ركزت جهدها وجهد الميليشيات التابعة لها على الصناعة البترولية والمصادر وخطوط النقل. والمقصود حرمان المملكة من هذه الميزة، وإرغام العالم على التفاوض معها من أجل رفع العقوبات أو تخفيضها.


وبقي عاملٌ رابعٌ يدفع إيران باتجاه الإغارة على المملكة عمراناً ومنشآتٍ وطنية ومصادر بترولية، وهو العجز عن الاختراق. إذ ما استطاع الإيرانيون إنشاء حزب لهم بالمملكة حتى بين الشيعة رغم المحاولات الكثيرة. وقد دفعهم ذلك لمحاولة ضرب الثروة السعودية، ومحاولة التصديع من الخارج بضربات المسيّرات والصواريخ!


ولنعُد إلى الأمرين: أمر الحرب، وأمر المملكة بالذات. بعد مغامرات صدّام حسين، ثم مغامرات أسامة بن لادن، كره العرب الحرب كراهية كبرى. فأقبل الإيرانيون والإسرائيليون والأتراك والروس، على الإغارة على الأرض العربية بداعٍ ومن دون داع. وما استطاعت العرب الرد، أو التوحد لمنع العدوان. ولماذا على المملكة بالذات؟ لأنها أُمّ العرب، ولأنها إذا ضعُفت ضعُف العرب جميعاً. وقد تعرضت المملكة لضغوطٍ هائلة بعد «11 سبتمبر». ثم إنّ الأوباميين تعاونوا مع إيران بالعراق وأفغانستان بداعي إضعاف العرب والسنة، وبداعي عقد الاتفاق النووي. ويقول الأوباميون إنه كان المؤمل أن تكفّ إيران شرّها بعد الاتفاق، لكنها فعلت العكس وطورت الصواريخ، ونشرت الإرهاب في المنطقة. وما بقي في محيطها كيان قوي يقف في وجهها إلا المملكة فاستهدفتها لكل الأسباب التي ذكرناها.


لكن ومرة أُخرى: لماذا تريد إيران الحرب؟ إيران تخسر في الحروب الكبرى، وتربح في المناوشات المباشرة وغير المباشرة. وقد جربت ذلك مراراً قبل الثورة وبعدها؛ ومع أميركا وإسرائيل بالذات. ولذلك فإنها ترجو من هذه الإغارات: تصديع هيبة المملكة، وإرغام الأميركان والأوروبيين على التفاوض وتخفيف العقوبات. والنووي سلاح خيالي، أما الميليشيات، وأما الصواريخ الباليستية، فهي الأسلحة الحقيقية. ولذلك فإن إيران استخدمتها من قبل ولم يرد أحد، وربحت من ذلك.


لا ينبغي أن تمر الضربات على البيت الحرام، وعلى المنشآت، وعلى مصادر الطاقة، من دون جوابٍ وعقاب. والاستماع إلى القوى العظمى معهودٌ ومقبول لشدة تأثيرها. لكنّ الصبر على ضرب المقدسات، وضرب مصادر ثروة البلاد، دونه خرط القتاد!