تتصرَّفُ الدولة اللبنانية حيالَ هيمنة «حزب الله» على قراراتها السياسية والعسكرية مثل مَنْ لا يرى ولا يسمع. حالة من الارتهان الكامل، مقرونة بالخوف والعجز، تسيطر على قرارات الدولة حيال هذا الحزب الذي تضع تصرفاته لبنان تحت عيون المراقبة الدولية، فيما المسؤولون اللبنانيون يغمضون عيونهم عما يجري حولهم وبعلمهم.

 

أمام هذه الحالة من الشلل الحكومي، لا يشعر «حزب الله» أنه مضطر للتراجع أو المهادنة. لقد استخدم كل الوسائل للإمساك بمقدرات البلد من رأسه إلى آخر مواقع السلطة فيه، ولم يعد مرغماً على مسايرة أحد. لهذا لم يكن مستغرباً أن يمر إعلان الأمين العام للحزب أن «إمامَنا وقائدَنا وسيِّدَنا هو الأمام علي خامنئي»، من دون أن يجد ردَّ فعل من أي مسؤول لبناني. كلام فيه من التحدي للدولة وللبنانيين ما يؤكد استخفاف «حزب الله» بأي انتقاد يُوجَّه إلى ارتباطه بإيران وتنفيذه قرارات قيادتها، مهما كانت انعكاسات هذه القرارات على مصالح لبنان. لو صدر كلام الأمين العام لـ«حزب الله» عن أي زعيم حزبي، يؤكد فيه ارتهان حزبه لقوة خارجية، لعرّض هذا الحزب وقائده للمساءلة، وصولاً إلى اتهامه بالخيانة لو ثبت عمله لمصلحة قوة خارجية. تصوروا مثلاً ماذا يمكن أن يحصل لو أن مسؤولاً حزبياً بريطانياً أو أميركياً أعلن ولاءه لموسكو أو بكين وتمويل حزبه وتسليحه من الخارج...! في الولايات المتحدة قامت الدنيا ولم تقعد بحجَّة تدخل روسي مفترض في الانتخابات الرئاسية التي قادت دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

 

إلَّا في لبنان، حيث «حزب الله» هو الحزب الوحيد، المشارك في حكومة «النأي بالنفس»، والممثَّل بنواب في البرلمان اللبناني، الذي يعلن ارتباطه الديني والسياسي والمالي بإيران، وعمله لمصلحتها، ولو أدَّى ذلك إلى تهديد مصالح لبنان وعلاقاته الخارجية، كما أعلن الأمين العام للحزب بتأكيده الاستعداد للمشاركة في أي حرب على إيران. لهذا صار وضع لبنان يحتاج إلى من يزور البلد ويوقظ المسؤولين من سباتهم العميق وتذكيرهم أن مسألة السيادة في الدول التي تحترم نفسها لا تحتمل الازدواجية، كما هو حاصل في لبنان: السلطة العسكرية المفترضة في مكان، والقرار العسكري الحقيقي في مكان آخر. اجتماعات الحكومة في مكان ومراقبة هذه القرارات والضوء الأخضر لتنفيذها في مكان آخر.

 

خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر، لبيروت، مكلَّفاً من حكومته بمساعدة لبنان على حل مشكلة ترسيم الحدود البرية والبحرية مع إسرائيل، تمهيداً لإتاحة المجال أمام لبنان لاستثمار النفط والغاز من مياهه الإقليمية، فُتحت خلال النقاشات مسألة نفوذ «حزب الله» على القرار السياسي والعسكري في لبنان. كان الموفد الأميركي يحمل معلومات وملفات، مستقاةً من تقارير السفيرة الأميركية في بيروت إليزابيث ريتشارد، تعرض تفاصيل هذا النفوذ والتمدد، ليس فقط في المؤسسات السياسية، بل تصل كذلك إلى المؤسسات المصرفية، كما ظهر من خلال العقوبات التي فرضتها واشنطن على مصرف «جمال ترست بنك» بحجة تغطيته حسابات وتمريره أموالاً لقياديين في «حزب الله».

تطرق المسؤول الأميركي إلى الحادث الذي وقع مؤخراً في الضاحية الجنوبية من بيروت، عندما قامت طائرتان مسيّرتان إسرائيليتان باختراق الأجواء اللبنانية، وطرح السؤال البدهي: أين كانت أجهزة الدولة وقواها العسكرية ولماذا لم تقم هي بالتصدي للطائرتين؟ ولماذا لم تتسلم قيادة الجيش اللبناني ما تبقى من جسم الطائرتين للتحقيق، بدل ترك الأمر في يد «حزب الله»؟ ألا يدل هذا على أن الدولة ليست صاحبة القرار الأخير في المسائل المتعلقة بأمنها وسيادتها؟

وعندما وصل النقاش إلى مسألة الخرق الإسرائيلي للقرار الدولي رقم 1701 الذي أنهى الحرب الإسرائيلية على لبنان سنة 2006، وتأكيد الرئيسين ميشال عون ونبيه بري احترام لبنان لهذا القرار، أشار مساعد وزير الخارجية الأميركي إلى وجود «حزب الله» في الجنوب، في منطقة عمليات القوات الدولية (يونيفيل)، حيث يفرض القرار 1701 عدم وجود أي قوة مسلحة باستثناء الجيش اللبناني، وسأل عن معنى وجود الأنفاق التي اكتشفتها إسرائيل، وكيف تصل أعلام «حزب الله» وشعاراته التي تنشر وكالات الأنباء صورها إلى مناطق توجد فيها القوة الدولية في الجنوب؟ وظهر مرة أخرى، كما يحصل مع كل زيارة يقوم بها مبعوث دولي إلى لبنان، كم أن الحجَّةَ اللبنانية في الدفاع عن سيادة البلد وحرية قراره هي حجة ضعيفة في وجه المعلومات عن حقيقة الوضع اللبناني وحقيقة نفوذ «حزب الله»، وهي معلومات صارت متوافرة في كل الدوائر الغربية ولم يعد هناك مجال لإخفائها.

 

بين هذه المعلومات، وإلى جانب المسألة الأمنية، برزت قضية الحصار المالي التي أصبحت تُقلق القطاع المصرفي بسبب المخاوف من العقوبات الأميركية. هنا أيضاً تبرز ازدواجية مواقف «حزب الله» ومحاولته التغطية على اختراقه العمل المصرفي، بينما هو ينفي أن أياً من قياداته أو أعضائه هم جزء من النظام المصرفي اللبناني أو أنهم يتعاملون معه. وفيما تتشدد رقابة الأجهزة الدولية في موضوع تبييض الأموال وقوانين مكافحة الإرهاب، أخذت تظهر مواقف من قادة «حزب الله» تطالب الحكومة اللبنانية بإعادة النظر في التزامها بهذه القوانين، بحجة أنها صارت تمثل «اعتداءً على البيئة الشيعية»، كما تمَّ توجيه اتهامات على لسان أمين عام «حزب الله» إلى بعض المصارف بأنها «صارت مَلكية أكثر من المَلك وأميركية أكثر من الأميركيين»، بمعنى أنها تتجاوز في مراقبة الودائع ما هو مطلوب منها أصلاً. وهدد الحزب بأنه لم يعد بإمكانه تقبل هذا الوضع.

 

من السياسة إلى الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، لم يعد من المبالغة القول إن لبنان هو الآن ضحية سلوك وارتباطات حزب يمثل فئة من اللبنانيين، بعدما فرض نفوذه عليهم بمختلف الوسائل، والتي لا يستبعد منها غياب الدولة في الأساس عن رعاية شؤون مواطنيها وحماية سيادتها. وقد يكون اللبنانيون مرغمين أو راضين بهذا الوضع، غير أن الدول التي تهتم بمصالح لبنان صارت عاجزة عن قبول الازدواجية القائمة بين سيادة الدولة وسيادة «حزب الله».