... وماذا يفعل سيمون أسمر الآن بكل محبّتنا وتعازينا ومشاعرنا الجيّاشة وإحساسنا العميق بالخسارة وأسفنا وتباكينا، وماذا يفعل خصوصاً باستعراضاتنا بالحزن والبكاء والنحيب والحسرة... لو كان مخرج هذه الحفلة التي فُتحت أبواب مسرحها مباشرة بعد رحيله، لو كان جالساً في غرفة التحكّم وعينه على الكاميرات، التي تكاد تمسح دموعنا وتربّت على أكتافنا الثكلى، والله لو كان المخرج لأمر بوقف التصوير وطردنا تعسّفياً إلى منازلنا، ومسح المسرح من خبثنا، وأتى ببعض الأوفياء الذين يستحقون التأسّف على رحيله، وبالتأكيد ليس نحن المتنططين من شاشة إلى شاشة ومن منبر إلى منبر ومن صحيفة إلى مجلّة نصطاد سمكة من موجة النحيب الجماعي.

 

سيمون أسمر مات مرتّين... مات المرّة الاولى عندما خرج من الأضواء وأصيب بانتكاسة مادية حادّة، أبعدته عن صالونات بعض الفنانين والإعلاميين والسياسيين المخملية، وحبسته في همومه ومخاوفه قبل أن تأخذه إلى السجن عام 2013 حيث مكث أكثر من 10 أشهر، يتمنّى زيارة من صوت صنعه أو من نجم لمّع صورته أو من صديق سانده عندما كان امبراطور الشاشة والمسارح. مات المرة الاولى، ولم يجد احداً يبكي على حاله أو يرثيه أو يغسل جسده أو يحنّط مأساته، مات المرّة الاولى، فغابت أقلام الصحافة عن محنته، وغابت التلفزيونات عن وضعه، وغابت أصوات الفنانين عن وجعه، وغابت جيوب المقتدرين من خيره عن مساعدته... مات المرّة الاولى وذهب إلى دفنه وحيداً، حمل نعشه ومشى إلى مقبرته وهو يشتهي خيراً من لحم كتاف غذّاها ودعمها وأطلقها وعرّضها حتى ما عادت تدخل أبواب المحتاجين.

 

لكن، عندما مات في المرّة الثانية، وتأكّدنا أنه لن يحتاج إلى أي دعم معنوي أو مادي أو مهني، عندما تأكّدنا أنه لن يكلّفنا سوى بعض الكلمات الممزوجة بالحزن والنفاق، دبّت فينا العزيمة وهجمنا ألوفاً مؤلّفة لتقديم واجب العزاء برجل كان يتمنّى منّا الوفاء.

 

قليل أن نقول عن سيمون أسمر صانع النجوم، وقليل أن نقول عنه صانع امجاد التلفزيون في لبنان والعالم العربي.. لأنّ أبرز إنجاز لسيمون أسمر كان صناعة الفرح في زمن الويلات والدموع، كان رسم الابتسامة على وجوه موجوعة من الحرب والتعتير، كان أبرز إنجاز له خلق فضاء جديد ومختلف، حلّقت فيه النجوم التي أطلقها لتنير عتمة بلد ممزّق. لم يكن فضل سيمون أسمر على بعض الفنانين والإعلاميين والممثلين، أو بعض المحطات المحلية والعربية، بل فضل سيمون أسمر يطالنا جميعنا، نحن الذين تزوّجنا تلفزيوناتنا في السهرات وأنجبنا أخباراً ونقاشات من برامجه لصباحاتنا... فضله علينا من العالم الجميل الذي صنعه ليغيّر عالمنا المرير.

 

رحل سيمون أسمر، رحل ولن يكون أعظم من رحلوا ولا آخرهم، رحل وسيبقى غصباً عنّا وغصباً عن قليلي الوفاء موجوداً في أصوات عشرات الفنانات والفنانين الذين تعلّموا الصعود إلى المسرح على يده، وسيبقى موجوداً في أداء عشرات الإعلاميات والإعلاميين الذين أتقنوا لعبة الكاميرا بعدسته.

 

رحل سيمون أسمر وبقينا نحن كما نحن، نطبّل للصاعدين ونهلّل للناجحين، قبل أن نشمت بالنازلين ونستهزء بالمترنّحين... رحل سيمون أسمر وسنبقى نحن قليلو الوفاء لأسماء تصنع الأمجاد وترحل مقتولة بتخلّفنا وتتفرّج علينا نمشي بجنازتها متسابقين لوضع الأوسمة والنياشين على نعوش الراحلين. لكن انتبهوا أن يفتح سيمون أسمر نعشه ويُخرج رأسه مرّة أخيرة ليقول لنا: تفو عليكن!