ما جرى بين إسرائيل و«حزب الله» خلال الأسبوعين الماضيين غريب وغير عادي. فالإسرائيليون أغاروا بطائرتين مسيرتين بدائيتين على الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يتمركز الحزب منذ أربعة عقود، وهو أمرٌ لم يحدث منذ عام 2006. وظلَّ هدف الغارة غامضاً حتى على المراقبين الإسرائيليين، فهي لم توقع قتلى، بل والدمار الذي أوقعته ضئيل. وفي حين أقبل أركان النظام السياسي على إدانة العدوان الهائل والشكوى لمجلس الأمن، والاتصال بالقوى الكبرى لتجنب شرور الحرب في هذا الوقت الصعب، والإشادة في الوقت نفسه بالمقاومة العظيمة وحكمة حسن نصر الله وشجاعته والترجي بسبب «فروسيته» ألا يردّ أو لا يكون الردّ قاسياً فالظرف دقيق، وهو ليس سيد الحرب وحسب، بل سيد السلم أيضاً؛ فإنّ ردّة فعل الحزب كانت غريبة وغريبة جداً. فأول تصريح بعد الغارة أو التحليق والسقوط للمسؤول الإعلامي بالحزب أنّ المقاومة لم تُسقط الطائرتين، إنما كيف وصلتا ومن أين، وأين كان الجيش اللبناني ودفاعاته ومدفعيته؟! فالعجيب أمران: مَنْ أسقط الطائرتين إن لم يسقطهما الحزب أو الجيش، ثم متى كان الحزب يستعين بالجيش ويطلب مساعدته، ورئيس الجمهورية اللبنانية يقول إنّ الجيش ضعيف، وهو محتاج إلى الدعم بسلاح المقاومة. وهذا في الجنوب على الجبهة، وبالتالي فإنه سيكون أضعف في الضاحية وما حولها!

 


ولنمضِ في سرد الغرائب: احتاج الحزب إلى هيئة الإغاثة للكشف عن الأضرار وإصلاحها، وهي هيئة مدنية يرأسها ضابط متقاعد وتابعة لرئيس الحكومة، وما كان أنصار الرئيس يريدون إعطاءها موازنة لعام 2019؛ لأنه لا حاجة إليها، ثم إنه كان ممنوعاً عليها الدخول إلى مناطق الحزب حتى لا تكشف أسراره الحربية الهائلة.

 


ومع ذلك، فإنّ الجانب الأشدّ غرابة في ردة فعل الحزب قول سائر مسؤوليه: العدوان متوقَّع من العدو دائماً. إنما المزعج فيما كان هو مخالفته «قواعد الاشتباك» بيننا وبينه، بالإغارة على الضاحية، وليس قصر «الاشتباك» والتشابك على منطقة شمال الليطاني، كما جرى عليه العُرف والاتفاق. فحتى في حرب عام 2006 ما أغرنا بداخل الأراضي «الإسرائيلية»، بل في مزارع شبعا وجوارها، فالرد غير العادي للجيش الإسرائيلي يومها هو الذي خرق قواعد الاشتباك، وليس هجومنا! ولذلك؛ فإنّ ردَّ الحزب سيأتي لا محالة رغم أنه ما كانت هناك أضرار، لكنه «سيكون مُدروساً ولا يثير حرباً» وخلال فترة الترقب ستكون هناك «استفهامات» من تحت الطاولة: أيها الأعداء الحميمون، لماذا خالفتم قواعد الاشتباك في هذا الظرف الدقيق؟

 


ولا شكَّ أنَّ العسكريين والأمنيين الإسرائيليين يأخذون تهديد الحزب على محمل الجد في العادة. لكنهم في الأسبوعين الأخيرين أظهروا استخفافاً لا حدود له وغير معهود: أغاروا على مكانٍ غير معهود ولهدفٍ ما اتضح بعد وقد لا يتضح أبداً (يقال إنه مكان لتطوير الصواريخ الدقيقة!)، وهذا من جهة. ومن جهة ثانية، وهذا أسوأ، كشفوا عن أنهم هيأوا للحزب هدفاً وهمياً لردِّه المدروس بحيث لا يخلّون بهيبته من جهة، ولا يخسرون هم من جهتهم أحداً، وتستمر اللعبة بين العدوين الحميمين حتى نهايات الصراع بين أميركا وإيران. وما أقوله ليس تقديراً، بل هو ما قاله رئيس الجمهورية اللبنانية: إنّ سلاح الحزب باقٍ إلى نهاية أزمة الشرق الأوسط!

 


لقد انزعج الحزب مرة ثانية وثالثة ورابعة هذه المرة، وكلها أمور داخلة في مخالفة «قواعد الاشتباك». فهو أرسل الفيديوهات فوراً إلى الإيرانيين ولاءً وانتصاراً كالعادة، والإيرانيون بثوها بعد ثلاثة أيام؛ لأنّ الحرس الثوري كان قد هدَّد بخلاف نصر الله بأنّ «الرد سيكون مزلزلاً»! إنما خلال ذلك الوقت كان الإسرائيليون قد كشفوا عن رأس الجحش وذيله، كما يقال! ظهر نتنياهو ضاحكاً بعد الرد المزلزل الذي قال الحزب إنه دمر آلية ضخمة وقتل كل الجنود الذين كانوا فيها، وقال نتنياهو إنّ الهجوم لم يحدث من ورائه أي خسائر. ثم سرَّبت الاستخبارات أنّ الأمر كان حيلة ظريفة ذات طابع مسرحي، عُرضت على الحزب فشارك فيها بحماس. وهنا أيضاً لام الخبراء العسكريون أجهزتهم كما لاموا نتنياهو: لماذا هذا الاستمرار في الإحراج ومخالفة قواعد الاشتباك؛ إذ معظم الحوادث بين الطرفين منذ عام 2006 كانت من هذا النوع من جانب إسرائيل ومن جانب الحزب، فكلما احتاج الحزب الإيراني إلى «تحرش» مباشر أو غير مباشر؛ فإنّ الإسرائيليين يتيحونه له، وكلما احتاج الإسرائيليون إلى إثبات الوجود احتجاجاً على قصور القوات الدولية مثل قصة الأنفاق؛ فإنّ الحزب يتيح ذلك لهم، ويا دار ما دخلك شرّ!

 


لدينا الآن بعد التأمل التفصيلي للمشهد المتكون خلال أسبوعين بعض التفصيلات:
أولاً: هناك علاقات تشاور وتبادل بين «المقاومة» و«العدو» مما قبل عام 2006، وربما تعود لعام 2000 عندما انسحب الإسرائيليون وأعلنت المقاومة عن انتصارها الخامس عشر أو السادس عشر. وهذه العلاقة مصطلحها: قواعد الاشتباك، وحقيقتها وظيفية، بمعنى أنّ كل طرفٍ ضروري للآخر: إسرائيل محتاجة إلى الحزب في لبنان (وفي السنوات الأخيرة في سوريا أيضاً)، باعتباره مرآة لتطور علاقاتها بإيران من جهة، وزيادة الشعبية بالداخل من جهة أخرى، والحزب محتاج إلى العدو لخدمة إيران في المدى الإقليمي، ولحماية سيطرته على الداخل اللبناني بحجة ردع العدو.

 


ثانياً: لا تزال قواعد الاشتباك سارية لحاجة الطرفين إليها. وحتى الطائرتان المسيرتان شوهدتا مراتٍ ومراتٍ من قبل فوق الضاحية. إنما اللغز لماذا قرر الإسرائيليون تفجيرهما الآن، وقد قالوا إنهم لن يعودوا لذلك، كما قال الحزب الشيء نفسه في مسألة الأنفاق. وقد فهم ذلك الدوليون أو أفهمهم الإسرائيليون، ولذلك؛ بعد الشكوى والتذمر الشديدين من جانب الأميركيين بمجلس الأمن أعاد المجلس التجديد للقوات الدولية دون تغيير رغم ظهور قلة جدواها.
ثالثاً: غياب السلطات اللبنانية غياباً كاملاً. والتسليم بأمر الحرب والسلم للحزب الإيراني. كما التسليم بأنّ الاعتداء ما كان على لبنان رغم الضجيج الإعلامي، بل على الحزب، ومن حقّه الردّ من عدمه. وهذا التسليم هو الذي أثنى عليه الحزب وأنصاره.

 


الإيرانيون يرون أنَّ وجود إسرائيل على الحدود مع لبنان لا غنى عنه لأسباب عدة تتصل بعلاقاتهم بالأميركان وبالعرب، فهي تؤمِّن لهم خطوط تماسّ من جهة، وشعبية وميليشيات بالدول العربية. والإسرائيليون يرون أنّ «حزب الله» لا غنى عنه لحماية حدودهم من الأعداء من جهة، وضبط العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بالمنطقة من جهة ثانية.
إسرائيل و«حزب الله» عدوان حميمان لا غنى لأحدهما عن الآخر!