مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية التونسية لا بد من العودة إلى تاريخ غدا بعيداً، أي إلى النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، وإيقاظ حادثة كادت تغير مسار تونس الخضراء التي من حسن حظها أنها قد تمكنت من تجنب ما حل في بعض دول هذه المنطقة من كوارث وويلات، وهذا مع أنها أول من استقبل «الربيع العربي» في حادثة محمد البوعزيزي الشهيرة في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 2010. كنت في تلك الفترة أحد صحافيي مجلة «المجلة» التي تصدر من لندن، وحيث قد تناوب على رئاسة تحريرها أربعة من الزملاء الطلائعيين هم عبد الكريم أبو النصر ثم عماد الدين أديب، وعثمان العمير وعبد الرحمن الراشد الذي ربطتني به صداقة لم يصبها أي اهتراء رغم مرور كل هذه السنوات الطويلة.

 

كنت قد بدأت العمل في «سيدة المجلات العربية» مراسلاً لها من بيروت في عام 1980، أي منذ المرحلة المتقدمة من صدورها ومع أول رئيس تحرير لها الذي هو أستاذنا الكبير عبد الكريم أبو النصر، أطال الله عمره، وذلك بالإضافة إلى عملي في صحيفة «السفير» اللبنانية التي وللأسف الشديد أن شمسها قد غربت بعد سنوات طويلة من الإبداع و«الطلائعية» ثم انتقلت إليها، أي إلى «المجلة»، في مقرها في لندن بعد الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 وانتقال القيادة الفلسطينية إلى تونس، وحيث إن وجودي في هذا البلد الجميل بات شبه دائم لأن الحدث الفلسطيني والعربي أيضاً كان انتقل من القاهرة إليها في تلك المرحلة المعروفة.

وبينما كنت في تونس، وحيث إن وزيرها الأول كان «سي» محمد مزالي قد أصبح خلفاً لـلهادي نويرة، وهذا كان في عام 1986. جاءني في الفندق الذي كنت أقيم فيه مرافق القائد الفلسطيني صلاح خلف، الذي كان يعتبر: «صديق الصحافيين»، وقال لي إن: «الأخ أبو إياد» يريدك الآن لأمر في غاية الأهمية وبالطبع فإن استجابتي قد كانت فورية لأن هذا الصديق الكبير، من غير الممكن أن «يطلبني» في هذا الصباح الباكر لو لم يكن هناك أمر في غاية الأهمية!

 

وهكذا وبمجرد وصولي إليه في منزله في منطقة «قرطاج» قال لي: علينا أن نتحرك الآن لأن الوسيلة بن عمار قد دعتنا لتناول طعام الإفطار معها في منزلها، وبالطبع فإنَّ هذا كان بالنسبة لي فرصة «لا تعوض» فالسيدة التونسية الأولى التي كانت قد رافقت الحبيب بورقيبة لفترة طويلة كانت مستودعاً هائلاً للأسرار والمعلومات، وهذا إن قَبْل طلاقها من «المجاهد الأكبر» وإن بعد طلاقها منه نتيجة «الدسائس» التي تعرضت لها والتحريض عليها من قبل الذين كانوا يعتبرونها حجر عثرة على طريق كانوا يرون أنه سيأخذهم إلى المواقع الأولى في الدولة التونسية.

 

كان من بين هؤلاء، كما قيل وكما كان متداولاً، منصور السخيري وأيضاً ابنة شقيقة بورقيبة سعيدة الساسي، التي كانت موظفة في السفارة الأميركية لدى تونس، وحقيقة أن «المجاهد الأكبر»، كان قد أصبح في تلك الفترة، بسبب التقدم في العمر عاجزاً عن مزاولة مسؤولياته الرئاسية، وغدا المحيطون به هم الذين يديرون شؤون البلاد وهم الذين كانوا وراء تخليه عن رفيقة العمر ورفيقة الدرب الطويل: الوسيلة بن عمار... وسبب «طلاقه» لها بعد مسيرة كفاح طويلة.

 

وكانت «الوسيلة»، ونحن على مائدة الإفطار في منزلها وحيث لم يكن هناك إلاّ هي و«أبو إياد» و«أنا»، قد تحدثت في أمور كثيرة تتعلق بأوضاع تلك المرحلة التي كان الصراع فيها في ذروة احتدامه بين الطامعين في الحكم بعد رحيل: «المجاهد الأكبر» ثم توقفت عند مسألة كانت في غاية الأهمية وهي أن «سي» محمد مزالي قد كلف بعض الأطباء من أتباعه إعداد وثيقة رسمية بأن الحبيب بورقيبة قد بات عاجزاً، وأنه لم يعد قادراً على مزاولة مهامه الرئاسية وأنه لا بد من بديل له في إدارة أمور البلاد، وإلى حين أن يصبح من الممكن إجراء انتخابات رئاسية.

 

وهذا قد دفعني و«بحشرية» الصحافي إلى القول: هل إن هذا يعني أن الوزير الأول محمد مزالي سيحل محل بورقيبة وسيصبح رئيساً لتونس... وهنا أطلقت الوسيلة بن عمار ضحكة استهزاء مدوية وقالت بصوت مرتفع، وهي ترفع «الإصبع» لكف يدها اليمنى،... مزالي!! إن هذا ليس رجل دولة... إنه مثقف لا يصلح للحكم وإن القادم هو زين العابدين بن علي.

 

ثم وبعد حديث مطول في هذا المجال غادرنا (أبو إياد) و«أنا» منزل «الوسيلة» وكان أن سألته و«بحشرية» الصحافي: هل أن هذا الذي قالته «بن عمار» هو للنشر أم أنه مجرد «استغابات» أملتها هذه الظروف التي بات يعيشها هذا البلد، الذي من الواضح أنه مقبل على تطورات خطيرة كثيرة؟! قال أبو إياد وهو يطلق ضحكة استهزاء «حقيقية»: هل إن دعوتنا لك للإفطار وفي منزل «الوسيلة» هو من أجل «سواد عيونك» يا فصيح؟! ثم أردف قائلاً إننا نريد أن نقول للصديق محمد مزالي إن عليه أن يستعجل الأمور لأن هناك كثيرين من تمتد أيديهم إلى «قصعة» الحكم، وإنَّ عليه أن يتغدى بوزير الداخلية قبل أن يتعشى به... وكان جوابي: إنه عليَّ وبغض النظر عن المؤامرات والألاعيب السياسية أن أكون مخلصاً لمهنتي، وأن أنشر ولو بعض ما سمعته في هذه الجلسة الصباحية.

 

عدت إلى لندن وقررنا نشر ما يمكن نشره وصدرت «المجلة» بذلك السبق الصحافي، وهكذا فقد بادر «سي» محمد مزالي إلى أنْ أقام علينا الدنيا ولم يقعدها، وهكذا وما هي إلاّ أيام قليلة حتى تم عزله من قبل بورقيبة، في الثامن من يوليو (تموز) عام 1986، فاضطر للفرار إلى الجزائر ومنها إلى باريس، وحيث جرت محاكمته في تونس بتهمة الفساد، وصدر عليه حكم بالسجن المؤبد وبغرامة مالية بملايين الدولارات... ثم ما لبث أن انتقل الحكم إلى زين العابدين بن علي بعد أن طبق «وثيقة» الوزير الأول آنفة الذكر وبقي رئيساً حتى عام 2011، عندما اضطر للمغادرة تحت ضغط الشعب التونسي.

 

بعدها وبعد أن أصبح «سي» محمد مزالي لاجئاً سياسياً في باريس تلقيت منه مكالمة هاتفية قال فيها: «يا وِلْدي» أريد أنْ أعتذر لأنني أسأت إليك، ولأنني لم أدرك أن ما نشرته «المجلة» كان بمثابة تحذير لي مما كان يحاك ضدي... وكان ردي أنني لم أغضب مما قمت به رداًّ على ما نشرته «مجلتنا»، وإني أتمنى لك وافر الصحة وطول العمر... ويقيناً أنني قد شعرت بوجع قلب شديد عندما تلقيت نبأ وفاته عن 84 عاماً في عام 2010 في العاصمة الفرنسية. والآن وتونس الجميلة ذاهبة إلى هذا الاستحقاق الديمقراطي فإنني أتساءل: هل يا ترى أنه من الممكن أن تصبح الأمور على غير ما بقيت عليه منذ عام 1986 وحتى الآن لو أن مزالي كان السباق إلى تطبيق «وثيقته» وليس بن علي الذي كان هو الرجل الأقوى والأكثر جرأة في تلك المرحلة المفصلية.