الوضع الجيوسياسي الحالي يوفر فرصة نادرة لمنع الطموحات النووية الإيرانية وكذلك توسعها الإقليمي.

كان لدى الإيرانيين هذا الأسبوع ما يدفعهم إلى الابتسام في مكتب الرئيس حسن روحاني بعدما بدأت مطحنة الشائعات في الحديث عن «مفاوضات سرية» بين إيران والولايات المتحدة بوساطة فرنسية. وكما يقولون تم إخراج القطة من الكيس خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت في بيارتيز في فرنسا، وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مبتسماً أن عقد اجتماع مع روحاني خلال الأسابيع القليلة المقبلة، محتمل «إذا كانت الظروف مناسبة». كان هذا التحول المفاجئ في المخطط الكبير لعزل طهران وخنق اقتصادها عبر عقوبات مؤلمة، أفضل ما كان يمكن لطهران أن تحلم به.

أظهر التوتر في الخليج العربي خلال الأشهر الأخيرة والذي توقف بسبب الهجمات المنعزلة، أن أياً من الجانبين لا يهتم بالتصعيد أو باندلاع حرب في المنطقة الغنية بالنفط، والتي يمكن أن تسبب شللاً اقتصاديا عالمياً. هذا مفهوم في واشنطن وباريس وطهران، من هنا يبدو أن عقد اجتماع ثلاثي «صار أكثر احتمالاً» من أي وقت مضى.

في قمة بيارتيز أعلن ترمب أن إيران اليوم ليست كما كانت قبل سنتين ونصف السنة. وهذا صحيح بما فيه الكفاية، هي أقوى بكثير الآن! الرد الرسمي للرئيس روحاني مباشرة بعد المؤتمر الصحافي أن «طهران ليست مستعدة لتغيير الوضع الراهن إلا إذا رفعت واشنطن العقوبات الاقتصادية غير القانونية التي فرضتها على إيران».

من ناحية أخرى، رغبة الولايات المتحدة في التعاون مع جهود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران أمر مثير للقلق، لأن ترمب يمكن أن ينطلق مع إيران وفقاً للنموذج الكوري الشمالي وقد يرغب حتى في متابعة هذا الاحتمال، واستبدال الخطاب الصارم من خلال مبادرات ودية. إيران متمسكة باحتمال نجاح ماكرون، إذ توجه وفد إيراني إلى فرنسا لإجراء مفاوضات حول الاتفاق النووي، كما سيجري نائب وزير الخارجية عباس عرقجي وفريق من الاقتصاديين محادثات في باريس لمناقشة سبل حل الأزمة بين واشنطن وطهران.

ستنتظر الدول الأخرى رؤية ما يحدث في أواخر سبتمبر (أيلول) الجاري، إذا ما اجتمع ترمب وروحاني خلال انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك. روحاني كرَّر أنه لن يلتقي ترمب. ومع ذلك، فإن الأخبار الأكثر إثارة للاهتمام هذا الأسبوع تأتي من عقربة في سوريا والضاحية الجنوبية في بيروت والبو كمال في العراق. كانت هناك 24 ساعة من الانفجارات المرتبطة جميعها بقوات «الوكلاء» الإيرانيين فيما يتعلق بالهجمات المنسوبة إلى إسرائيل. لسنوات كانت نشاطات «الوكلاء» تحدث دون عوائق في الشرق الأوسط مما يهدد بلدان المنطقة. ولسنوات ترعى إيران مختلف القوى العاملة بالوكالة، وتسلحها بمعدات منوعة من الأسلحة المتقدمة وتمولها على الرغم من الركود الشديد في الداخل.

تدريجياً نقلت إيران استعمالها للقوة إلى أيد أجنبية باستخدامها الميليشيات الشيعية في لبنان وسوريا واليمن والعراق وحتى فلسطين لإخفاء مشاركتها الخاصة، ومع ذلك ليس هناك شك في عقل أي كان بمن يقف وراء قصف الحوثيين المستمر للأهداف السعودية، والهجمات المستمرة فعلياً على المنشآت النفطية والمطارات فيها باستخدام صواريخ «كروز» وطائرات من دون طيار.

كذلك الحال بالنسبة إلى الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد، وتسليح الميليشيات في سوريا التي كانت تخطط لإطلاق طائرات من دون طيار من مرتفعات الجولان السورية. كما يوضح الهجوم الأخير على الضاحية الجنوبية في بيروت والذي استهدف المنشآت اللازمة لمشروع إيران تحسين دقة صواريخ «حزب الله»، كيف تخاطر المصالح الإيرانية بسيادة لبنان، وجميع من يعيشون في لبنان. إن «حزب الله» الذي ورطته إيران، يعمي أركان النظام اللبناني الذين سارعوا إلى التماشي مع كبار قادة الحزب ولن يستغرق الأمر الكثير للانتقال من هذه النقطة إلى التصعيد السريع، وإلى حرب جديدة تحت الرعاية الإيرانية. وسيكون اللبنانيون أول من سيدفع الثمن وخاصة الشيعة منهم.

لقد قال شهود عيان، إنه بعد عمليتي طائرتي «الدرون» في 24 أغسطس (آب) الماضي في الضاحية الجنوبية، فرغت الضاحية من السكان يوم الأحد، وبالطبع وصل الخبر إلى أمين عام الحزب حسن نصر الله الذي حاول تبرير ذلك بقوله في خطاب له إن أبناء الضاحية اعتادوا قضاء عطلة نهاية الأسبوع في قراهم في الجنوب وبعلبك!

ونقل نائب لبناني شيعي أن شيعة الجنوب الذين أنفقوا كل ثرواتهم على مشاريع بناء في الجنوب سينقضون على «حزب الله» إذا خاض مغامرة حرب جديدة ضد إسرائيل إكراماً لإيران.

ويمكن مراجعة مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، لرؤية أهل الجنوب يهربون إلى بيروت بعدما قصفت إسرائيل بالقنابل الحارقة ضواحي قرية مارون الراس رداً على إطلاق «حزب الله» صاروخ «كورنيت» على مركبة إسرائيلية قرب مستوطنة أفيفيم، وكان شعار الهازئين: «سنخوض البحر معك»، وهم يصورون كل الهاربين بسياراتهم من الجنوب.

ستظل إيران بمثابة صداع لدول المنطقة كما عبر عن ذلك وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة الذي قال إن إيران هي التي أعلنت الحرب على المنطقة عبر حرسها الثوري، إلى جانب «حزب الله» في لبنان وميليشيات «الحشد الشعبي» في العراق والحوثيين في اليمن.

تتم إدارة «المشروع الوكيل» الذي حصل على موارد ضخمة، برعاية «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني. وتقود قوات «فيلق القدس» التدخل العسكري في كل من هذه الدول وهدفها الرئيسي زيادة النفوذ الإيراني. إن سليماني هو الذي يملي السياسة الخارجية لإيران وهو الذي ينفذها بالممارسة.

إن حملة توطيد النفوذ الإيراني لا تقل أهمية بالنسبة إلى إيران عن السلاح النووي، كما يتضح من حقيقة أنها لم تتخل عن ترسيخها العسكري في اليمن، أو العراق، أو لبنان، أو سوريا على الرغم من الضغوط الاقتصادية الهائلة. صار بحكم المؤكد أن إيران ليست على استعداد لتقديم تنازلات بشأن طموحاتها لتعزيز وجودها ونفوذها في جميع أنحاء المنطقة وتصدير الثورة الإيرانية.

يجب أن تكون الفترة المقبلة مهمة للغاية بالنسبة إلى طهران، التي ستحاول زيادة مكاسبها في اتفاق جديد، والتقليل من تعهداتها. ومثل آخر مرة، ربما أعدت خطة طوارئ مسبقاً، مع استعدادها لسحب «الأرانب» من القبعات من أجل لي أذرع القوى الكبرى تحت إرادتها.

في المقابل يجب أن تثبت الفترة المقبلة أنها لا تقل أهمية بالنسبة إلى المجتمع الدولي بأن يحاول عدم ارتكاب الأخطاء نفسها التي أدت إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. السؤال هذه المرة هو ما إذا كانت القوى الكبرى والجهات الإقليمية الفاعلة حكيمة بما فيه الكفاية للاستفادة من الضغط الإيراني المتزايد لإزالة العقوبات الاقتصادية من أجل تحسين الاتفاق النووي الجديد واستخدامه للحد من أنشطة إيران التخريبية في المنطقة!