رغم الايجابية التي يؤكّد عليها أكثر من مرجع اقتصادي في اللقاء الذي عقد أمس الاول في بعبدا، إلّا انّ الضبابية تبقى هي الطاغية على المقررات التي صدرت، كونها بمجملها مقررات عادية ولا تُحاكي ما تتطلّبه حالة الطوارئ الاقتصادية التي يجب ان تتأهب لها البلاد في ظل الضائقة الاقتصادية التي نمر بها.
 

ما صدر عن مقررات من قصر بعبدا أمس، هو إعادة تأكيد للمؤكد ولنفس الشعارات والعناوين الانتخابية السائدة منذ أكثر من عشرين عاماً.

 

في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي كمال حمدان لـ«الجمهورية» انّ الوضع الاقتصادي خطير جداً، وممّا قرأنا في الاعلام، ولا نعلم ما اذا كانت هناك صفقات من تحت الطاولة، هناك وعود بإصلاحات اقتصادية ضريبيبة واجتماعية ومشاريع عن التغطية الصحية ودمج المؤسسات العامة ونظام التقاعد...

 

الوعود كثيرة، الّا انها مؤجّلة. على ما يبدو انّ الاجراءات الضريبيبة تأجّلت الى موازنة 2020، مع العلم انّ مضمونها رجعي لأنّ معظمها ينطوي على عبء ضريبي أكبر على الطبقة الفقيرة وضريبة أقل على من يملك المال، أي الطبقة الغنية. وقد أُرجئت التدابير الى العام 2020، وكأن ليس أمامنا مهلة 6 اشهر فقط لإعادة التصنيف. 

تابع: نحن البلد الثالث في العالم لجهة تراكم الثروة و1 في المئة من الحسابات المصرفية تحوذ على 50 في المئة من الودائع. فهل يُعقل في ظل هذا الوضع التغاضي عن وضع ضرائب على الشطور العالية؟ وهل يُعقل انّ من يملك 10 ملايين دولار، وبعدما كان يتقاضى 900 الف دولار عليها، باتَ يقبض 800 الف دولار؟ هذا الوضع لن يؤثر عليه، لذا لا يجوز رفع الرسوم على الفوائد التي تخصّ الودائع، وعلى الجميع بالنسبة نفسها.

سويد في المقابل، اعتبر الخبير المالي مازن سويد لـ«الجمهورية» انّ ما حصل في اجتماع قصر بعبدا يدلّ على انّ الجميع يُدرك خطورة الوضع، وضرورة اتخاذ إجراءات شاملة، لكن تبقى الترجمة في التنفيذ في موازنة 2020. لننتظر ونر ما اذا كانت ستؤخذ الاجراءات التي اقترحت؟ وهل ستكون هذه الموازنة أكثر قدرة على اقناع وكالات التصنيف؟ تابع: الواضح ممّا رأيناه بالأمس انّ هناك تهيّباً من الجميع، وإدراكاً بأنه لا يجوز للوضع ان يستمر على ما هو عليه.  وعن تقييمه لِما يتردّد من انّ طاولة الحوار الاقتصادي لم تتخذ إجراءات وتدابير اقتصادية كانت منتظرة؟ قال: لم يكن المطلوب من هيئة الحوار، ممثّلة بالاحزاب ورئيس مجلس النواب رئيس السلطة التشريعية، ان تتخذ قرارات في ظل وجود مجلس الوزراء، وهو السلطة التنفيذية. المفروض ان يكون هناك تشخيص للوضع، وقد تَم. وهناك نية واضحة بأننا في حالة طوارئ اقتصادية، امّا الآن فعلى رئيس السلطة التنفيذية، الرئيس الحريري، ان يتابع كيفية ترجمة هذه الامور مع المختصين.

بدارو من جهته، اعتبر الاقتصادي روي بدارو وأحد المشاركين في إعداد «ورقة مقترحات إجراءات اصلاحية أولية لمواجهة الأزمة» لـ«الجمهورية»، انّ لقاء بعبدا هو «بداية جيدة جداً، الّا انه غير كاف». 

 

ورحّبَ بمبادرة رئيس الجمهورية لوضع الاقتصاد على السكة الصحيحة، خصوصاً انّ الوقت باتَ يداهمنا، فدَقّ ناقوس الخطر وجمعً كل الاطراف السياسية والكل لَبَّى النداء، لكنه توقّع من لقاء بعبدا ان يعطي إشارات جدية ومصداقية قوية للاسواق اللبنانية والعالمية لوَقف النزيف، مثل زيادة الضريبة على القيمة المضافة على الكماليات الى 15 في المئة، وتحديد الحد الاقصى والادنى لسعر البنزين. إلّا أنه رَحّب بإقرار اطار مالي متوسط الامد Medium term fiscal يمتد على 3 سنوات، وبَدل إعداد موازنة كل سنة أعددنا نظرة تَلحظ تخفيض العجز كنسبة من الناتج المحلي مثلما تعتمد الدول الاوروبية، وقد وضعنا نِسباً مقبولة للبنان، كما اتفقنا على خفض الدين العام باعتماد التشركة، وتقضي، على سبيل المثال، ببَيع 35 في المئة في الميدل ايست عبر طرحها على الجمهور اللبناني، على ان لا يشتري فيها احد اكثر من نسبة 1 في المئة، الى جانب وقف عجز الكهرباء عند سقف مليار دولار سنوياً، مؤكداً انّ تطبيق خطة الكهرباء هو مدخلنا نحو المصداقية امام الاسواق العالمية.

 

واعتبر انه من القضايا المهمة ايضاً إقرار قانون المشتريات العامة خلال 3 اشهر كحد اقصى، فإذا كان هذا القانون نافذاً اعتبار من 1-1-2020 فإنه سيوفّر على الخزينة نحو 400 الى 500 مليار مشتريات تذهب بين هدر وفساد، الى جانب دمج المؤسسات العامة غير المجدية وإلغائها.

وأوضح، رداً على سؤال، انّ ما أعَدّه الخبراء خلال مهلة 4 ايام هي اقتراحات لحلول اولية سريعة، وتتضمّن ما هو مُلحّ وما هو مهم. والمهم برأيي هو ضبط عجز الموازنة ويحتاج الى نحو 6 اشهر، امّا المُلحّ فهو وقف النزيف بالحساب الجاري. هذا التوازن بين اهداف متناقضة بين السرعة والاولوية والاهمية، حاولنا في الورقة التي رفعناها كخبراء اقتصاديين الى رئيس الجمهورية، ان ندوزنها بالتوافق في ما بيننا، أي جَمَعنا القواسم المشتركة التي اتفقنا عليها كمجموعة اقتصاديين.

مقررات بعبدا وكان الاجتماع الاقتصادي الذي عقد في بعبدا امس الاول أقرّ الآتي:

• إعلان حالة طوارىء اقتصادية، ومتابعة ما تمّ إقراره في اجتماع 9 آب 2019 في القصر الجمهوري.

• التأكيد على الاستمرار في سياسة استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية.

• إقرار إطار مالي متوسط الأمد يمتد على سنوات 2020-2021-2022، Medium term fiscal framework يلحظ فائضاً اولياً سنوياً لا يقل عن 3 و4 و5 في المئة كنسبة من الناتج المحلي، وعجز لا يتخطّى الـ7 و6 و5 في المئة كنسبة من الناتج على اساس نقدي، للسنوات المذكورة على التوالي.

• الالتزام بتطبيق دقيق لموازنة 2019 وعدم ترتيب اي اعباء اضافية، وإقرار موازنة 2020 ضمن المهل الدستورية بفائض اولي لا يقل عن 3 في المئة من الناتج المحلي، ونسبة عجز على الناتج أقل من النسبة الواردة في موازنة العام 2019.

• العمل على تقليص حجم الدين العام، من خلال اعتماد الشراكة بين القطاعين العام والخاص ضمن مناقصات تَتسِم بالشفافية وتضمن حقوق الدولة.

• تخفيض عجز الكهرباء الى 1500 مليار ليرة لبنانية، واجراء مناقصة عالمية لشراء المحروقات لمؤسسة كهرباء لبنان وتأمين الغاز بدل الفيول وفق معايير الشفافية.

• تطبيق القوانين المصدقة وتنفيذ القرارات الحكومية بالسرعة والجدية.

• التأكيد على منع التوظيف في القطاع العام والتقاعد المبكر، وإصلاح أنظمة التقاعد وإنجاز التوصيف الوظيفي.

• دمج وإلغاء المؤسسات والهيئات العامة غير المُجدية خلال ثلاثة اشهر، وتَشرِكة المجدية منها. وعلى سبيل المثال شركة الميدل ايست، حيث يمكن طرح أسهمها للمواطنين، وبالتالي تنتعش الاسواق المالية من جديد، ما من شأنه مساعدة الدولة.

• الاسراع بإطلاق المشاريع الاستثمارية المقررة في مجلس النواب، والبالغة 3,3 مليارات دولار. وعلينا ان نضع قانوناً- برنامجاً بـ750 مليار ليرة مخصصاً لتأمين اعتمادات التمويل المحلي وكلفة الاستملاكات العائدة لهذه المشاريع.

• إقرار مجلس الوزراء لائحة مشاريع المرحلة الاولى من برنامج الانفاق الاستثماري (سيدر).

• الإسراع في تلزيم المشاريع من خلال توفير الامكانيات البشرية الضرورية لمجلس الانماء والاعمار والوزارات المعنية، من خلال الاستعانة بشركات متخصصة محلية واجنبية، بما يمكّنها من الاسراع في إعداد دفاتر الشروط وإطلاق المناقصات وتلزيم مشاريع البنية التحتية، بهدف التمكّن من إنفاق ما بين 1,5 الى 2 مليار دولار سنوياً.

• العمل على إطلاق مشروعي إليسار ولينور بالشراكة مع القطاع الخاص.

• مناقشة وإقرار الخطة الاقتصادية التي أعدّها المكتب الاستشاري «ماكنزي» في مجلس الوزراء، ووضع آلية لتنفيذ التوصيات القطاعية الواردة فيه.

• تكليف رئيس الحكومة متابعة تنفيذ الاوراق التي تم تقديمها، وبالأخَصّ الورقة التي قدّمها فخامة الرئيس، والتي تحتوي على العديد من النقاط المركزية.