صحيح أن نصرالله لوّح بأن حزبه لن يسكت إذا ما تعرضت إيران لأي اعتداء، لكن الصحيح أيضا أن إيران لن تستطيع أن تفعل شيئا.
 

يمثل “الردّ المدروس” الذي قام به حزب الله وردّ إسرائيل المدروس بدوره ذروة التفاهم الذي رعته العواصم الكبرى لمنع تدهور التوتر إلى مستوى الحرب الشاملة. وفي ذلك أن العواصم المنخرطة في شؤون المنطقة تعيد ضبط اللعبة وفق قواعد الكبار التي لا تتجاوز قوانين واشنطن وموسكو وبكين وأوروبا في مقاربة منطقة الشرق الأوسط. على أن للفعل ورد الفعل قوانين في علم السياسة.

 

في يونيو الماضي أسقط الدفاع الجوي التابع للحرس الثوري الإيراني طائرة أميركية مسيّرة فوق مياه الخليج. ضخت وسائل الإعلام الأميركية حينها سيناريوهات حول طبيعة الردّ الذي اتُّخذ القرار بشأنه في واشنطن، فيما استعدت طهران لرد أميركي “حتمي” استبقته برشقات من التصريحات المهددة.

 

خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدها بقراره المفاجئ بعدم الردّ. قال إن ما يسببه الردّ من خسائر بشرية لدى الطرف الإيراني سيكون مفرطا لا يتناسب مع خسارة طائرة مسيّرة لم يؤدّ سقوطها إلى خسائر بشرية أميركية.

 

لا أحد صدّق الجانب “الحنون” في مقاربة سيّد البيت الأبيض. كان واضحا أن العقل السياسي وحده هو الذي يقرر الردّ لأقل من ذلك أو عدم الردّ لأكثر من ذلك. حسب الرجل الأمر في ميزان الربح والخسارة، وأطلّ على الحدث بصفته من الأعراض الجانبية لعلاج قاسٍ طويل الأمد تفرضه واشنطن على نظام الولي الفقيه في طهران.

 

بدا مع ذلك، ورغم إعراض واشنطن عن الانتقام لطائرتها المسيرة، أن الولايات المتحدة تتقدم في إحكام الخناق على إيران ومحاصرة اقتصادها وإرباك قواها، فيما تهدأ إيران في مضيق هرمز الذي تتقدم نحوه الأساطيل، وتتأمل بترنح قيام إسرائيل بضرب مواقع تابعة لها في العراق وسوريا على نحو يوحي بأن طهران تَعِدُّ العصيّ المنهالة عليها دون أن تجرؤ، حتى إشعار آخر، على ردّها عنها.

 

حين أُسقطت الطائرة الأميركية المسيّرة، وهي من طراز غلوبال هوك (تصنعها الشركة الأميركية نوثروب غرونمان)، قيل إن ثمنها 150 مليون دولار أسقطها صاروخ بخس الثمن. تجاوزت واشنطن أمر ذلك بسهولة داخل سياق حرب طويلة الأمد ستتخللها معارك كرّ هنا وفرّ هناك. غير أن ما يخرج عن حزب الله وزعيمه منذ هجوم المسيّرتين الإسرائيليتين على ضاحية بيروت الجنوبية يربك قواعد الاشتباك التي بدا أن طهران لم تتجاوزها والتزمت بها بحذافيرها.

 

والظاهر أن ما أقدمت عليه إسرائيل تجاوز معايير المواجهة الحالية، بما أتاح تدخلا أميركيا مباشرا لإعادة ضبط المؤشرات وفق البوصلة الأميركية وحدها، وأباح في الوقت عينه لأمين عام الحزب السيد حسن نصرالله إطلاق وعد بالردّ بما أثار خشية لبنان واللبنانيين أكثر من خشية إسرائيل والإسرائيليين.

 

اعتداءات الضاحية
عقب الكشف عن اعتداءات “الضاحية” تواصل نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وما صدر علنا من الشخصيتين من “دعم لحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها” يخفي مداولات سرية أريد منها ضبط السلوك الإسرائيلي ووقف تفلّته ليعود إلى السير وفق السكة التي ترسمها واشنطن.

 

مثّلت التحذيرات التي وجهها بومبيو، في اتصاله برئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بعد ذلك، رسالة واضحة للبنان و”حزبه الحاكم” عمّا يمكن لإسرائيل أن تذهب إليه في ردّها على أي ردّ مفرط لا يتناسب مع حادثة المسيّرتين، اللتين في سقوط إحداهما وتفجّر الثانية لم تتسببا في أضرار كبرى وخلت من سقوط أي خسائر بشرية.

 

أتت حادثة المسيّرتين في “الضاحية” خطيرة في اقتحامهما لمعقل حزب الله ومربعه الأمني، وتجولهما فوق أو تحت نوافذ مقرّ أمينه العام. وفيما كثرت السيناريوهات المنتجة في لبنان كما تلك المنتجة في إسرائيل لتنفخ في أهمية الحدث بصفته تحولا استراتيجيا لا مثيل له منذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، عُدَّ الأمر تجاوزا إسرائيليا للأمر الواقع الذي فرضه حزب الله في لبنان وعودة إلى السلوك الذي كانت تنتهجه إسرائيل في تعاملها مع البلد قبل هذا التاريخ.

 

التقط نصرالله هذه الحقيقة الرهيبة رافضا “العودة إلى وضع ما قبل عام 2000″. والتقطت العواصم هذا التجاوز لإعادة عقارب الساعة إلى التوقيت الدولي الذي ظهرت معالمه الجديدة في اجتماع قمة الدول السبع الكبرى في بياريتز بفرنسا. ففي تواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الإيراني حسن روحاني، ظهر أن فرنسا و”اتساقا مع أجواء بياريتز” تضغط لضبط ردّ فعل حزب الله في لبنان.

 

ورقة جديدة
لاحت لطهران ورقة جديدة في لبنان بإمكانها التلويح بها للعالم في معرض تظهير قدراتها على تحديد مسارات الحرب والسلم في لبنان كما في اليمن وميادين أخرى في العالم.

 

على أن إيران تترك لحزبها في لبنان أن يذهب بعيدا في التهديد والوعيد وفي ردّه “المدروس” جدا، لكنها في الوقت عينه لا مصلحة لها في تفجير حرب كبرى تستنزف حزب الله في لبنان.

 

صحيح أن نصرالله لوّح بأن حزبه لن يسكت إذا ما تعرضت إيران لأي اعتداء، لكن الصحيح أيضا أن إيران، وبحكم التجارب السابقة ووضعها الراهن، لن تستطيع أن تفعل شيئا إذا ما تعرض الحزب ولبنان لحرب كبرى. وإذا ما كانت قوة حزب الله مهمّة لطهران في معرض رد الخطر عن إيران، فلا مصلحة لطهران أن يستهلك حزب الله قواه في التورط داخل معركة جانبية لا تشكل خطرا وجوديا مصيريا على الحزب وديمومته.

 

وإذا ما صحّ أن باريس وعواصم أخرى قد تواصلت مع حزب الله لتهدئة انفعالاته وطمأنته بأن لا خطط إسرائيلية ضده، فإن في الأمر بالنسبة للحزب اعترافا به وبكينونته اللبنانية المنفصلة عن علاقة هذه العواصم مع طهران، ويأتي متناقضا مع مساعي واشنطن لشيطنته ومواصلة محاصرته ومحاصرة بيئته الحاضنة. ولئن أظهرت واشنطن خطوة جديدة في استهداف مصرف لبناني (جمال تراست بنك) لتورطه في تعاملات مالية مع الحزب، فإن أي ردّ مفرط للحزب سيخرجه من أي حساب حتى في حال التوصل إلى صفقة دولية جديدة مع إيران.

 

وفق تلك المعطيات تم تدبير الردّ الذي وعد به نصرالله وفق حسابات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. إسرائيل كانت قد وعدت بـ”إعادة لبنان إلى العصر الحجري”، ولا يبدو أن المجتمع الدولي سيكون قادرا كما فعل عام 2006 على ضبط أي حرب تندلع في لبنان. ناهيك عن أن أي حرب تشنّها إسرائيل ضد حزب الله قد تتوسع لتشمل حربا قد تكون حتمية ضد إيران. وهنا، لا واشنطن تريد ذلك، ولا طهران تريد ذلك، ولا المجتمع الدولي يريد ذلك.

 

قد يكون التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في المنطقة، والذي لامس ذروته في الضاحية الجنوبية بلبنان، يمثل رياحا تهدد أجواء بياريتز المفاجئة. حققت طهران في تلك المدينة الفرنسية إنجازا قُدّم لها مجانا ومن خارج أي سياق. وفي التحضير لذلك الطبخ الذي قد يُخرج وليمة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني حسن روحاني على هامش الاجتماع السنوي للأمم المتحدة في نيويورك، فإن ما يُعدُّه حزب الله ينضبط تماما في تصاعده وهدوئه داخل إطار المصلحة الإيرانية وحدها. ومصلحة إيران، التي لا تجد مرفأ في العالم يستقبل ناقلتها الشهيرة للنفط، أن تنهل من بياريتز حصادا لا تريد أن يحرقه حدث “الضاحية” وانفعالات نصرالله وحزبه.