يحفل تاريخ منطقتنا بأحداث وقعت نتيجة مغامرات فاشلة أو بسبب قصر النظر أو لمجرد التعنت في اتخاذ القرار وركوب موجة الشعبوية ومسايرة «الجماهير». أحداثٌ تدفع ثمنها أجيالٌ خلف أجيال، ولا من يتعظ أو يتعلم. من أبرز الأحداث التي تركت أثراً بعيداً في حياة منطقتنا وشعوبها كانت حرب 1967 التي انتهت بهزيمة منكرة سميناها تخفيفاً لهولها «النكسة» وأدت إلى الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة الغربية وهضبة الجولان السورية وصحراء سيناء المصرية. تلك الحرب لا يزال العرب منذ أكثر من نصف قرن يحاولون محو آثارها عبر المطالبة باستعادة السيادة على تلك الأراضي، في مسعى لقيام دولة فلسطينية ولعودة الجولان إلى السيادة السورية، بعدما تمكن المصريون من استعادة سيناء بعد معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية.

 

كُتب كثير عن حرب 1967 والأخطاء التي ارتكبت، وأدت إلى القرار المتهور بالاندفاع إلى مغامرة غير محسوبة العواقب. غير أن التفاصيل التي وردت في مذكرات الشريف زيد بن شاكر، كما روتها زوجته السيدة نوزاد الساطي في الكتاب التوثيقي المهم الذي نشرت «الشرق الأوسط» فصولاً منه هذا الأسبوع، هي تفاصيل غير مسبوقة، حسب علمي، وأهميتها أنها ترد نقلاً عن الرجل الذي كان أحد أكثر المقربين من العاهل الأردني الراحل الملك حسين، ورافق المحاولات التي بذلها الملك مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر لإقناعه بمخاطر الانجرار إلى تلك الحرب، وما سيترتب عليها.

 

لا يمكن إلا التوصل إلى استنتاج وحيد من تلك المراجعة، كم كان ممكناً تجنب تلك الحرب ونتائجها المدمرة؟ وكيف كان يمكن أن يكون عليه حال المنطقة العربية اليوم لو لم تنغمس في ذلك الصراع الذي انتهى بخسارة قسم كبير من أراضيها؟ لا يمكن طبعاً انكار النوايا الإسرائيلية وأطماعها، لكن القيادات العربية في ذلك الوقت قدّمت فرصة لتلك الأطماع على طبق من ذهب.

 

تنقل مذكرات زيد بن شاكر أن عبد الناصر نفسه لم يكن متحمساً للحرب، لكن الحماس الشعبي كان يهيمن على قراراته السياسية. في أكثر من مناسبة نبّه الملك حسين إلى ما تحضّره إسرائيل لمصر وللمنطقة من خلال جرّها إلى «فخّ» عبر التصعيد على الجبهة السورية. من أكثر المواقف التي تعبر عن المبالغة والانفصال عن الواقع، والتي كانت تميز قرارات عبد الناصر، ما قاله للملك حسين عندما أبدى العاهل الأردني أمامه خشيته على مصير القدس. ينقل عامر خماش رئيس هيئة الأركان الأردني الذي كان برفقة الملك حسين ردّ عبد الناصر أنه سيدمر القدس إذا حاول الإسرائيليون احتلالها: «ح ادكاها لك»، قال عبد الناصر للملك حسين. أين القدس اليوم من ذلك التهديد الفارغ؟!

 

لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً هو؛ ما الذي دفع الملك حسين إلى دخول الحرب طالما أنه كان يعرف ما ينتظر الأردن والمنطقة من عواقب؟ كان العاهل الأردني يتخوف من نتائج الحرب على الأردن إذا لم يشارك فيها. أمران أديا إلى قراره بالمشاركة؛ رغبته في إزالة الصورة التي كان الإعلام المصري والسوري آنذاك يحاول إلصاقها بالأردن وملكه، من خلال اتهامه بمسايرة المصالح الغربية في المنطقة، والأمر الثاني كان إخفاء القيادة المصرية حقيقة الضربات الكبرى التي تعرض لها سلاح الطيران المصري والسوري في الساعات الأولى من الحرب. المعلومات التي وصلت إلى ملك الأردن آنذاك كانت أن 75 في المائة من الطائرات الإسرائيلية تم تدميرها! بناء على ذلك طلب عبد الحكيم عامر قائد القوات المسلحة المصرية من عبد المنعم رياض الذي كان يتولى قيادة العمليات في الأردن (نتيجة اتفاق بين الملك حسين وعبد الناصر) أن تشارك القوات الأردنية في الحرب.

 

كل القادة العرب الذين شاركوا في حرب 1967 كانوا يعرفون المصير الذي ينتظرهم، ومدى تفوق القوة الإسرائيلية على قواتهم، وحلم قادة إسرائيل باستثمار نتائج الهزيمة العربية لإقامة «إسرائيل الكبرى»، كما كان يحذر وصفي التل رئيس الحكومة الأردنية، الذي اغتاله الفلسطينيون بعد أحداث أيلول 1970. عبد الناصر لم يكن متحمساً للحرب، كما قلنا سابقاً، بل اتخذ خطوات التصعيد، مثل الطلب من القوات الدولية في سيناء المغادرة وإغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، في ظل رغبته في مسايرة عواطف المصريين والعرب وتبرير الصورة التي حاولوا إلصاقها به باعتباره «البطل القومي» المنتظر الذي لا يُهزم.

 

أما الملك حسين، فإن أكثر ما يعبر عن شكوكه حيال نتائج الحرب ما قاله مخاطباً جنوده قبل يومين من اندلاعها: «إذا وقعت الحرب، الله لا يمتحننا، لأننا غير قادرين وغير مستعدين لمواجهة إسرائيل في الظرف الذي نحن فيه الآن، ليس الأردن فقط، إنما الدول العربية كلها. والنتائج ستكون عكس ما نأمل وما يتطلع إليه المواطن العربي في كل مكان».

 

لم تتوقف المغامرات ولم يتعلم العرب. في حرب الخليج الثانية، بعد الغزو العراقي للكويت، كان للملك حسين دور مجدداً في محاولة إقناع صدام حسين بالمخاطر التي ستترتب على مصير العراق وشعبه إذا لم يوافق على الانسحاب من الكويت. ومثل تهديد عبد الناصر بـ«دكّ القدس» كان تهديد صدام: «بوش يتحدانا، ونحن عازمون على تكسير أسنان قواته». وفي خطاب آخر: «إذا وقعت الحرب فسنسير على جثثهم وندوس على رؤوسهم». مرة أخرى انفصال كامل عن الواقع ومستشارون من حول الرئيس، لا وظيفة لهم سوى التصفيق. لا من ينصح ولا من يشير. والنتيجة، كما حصل سنة 1967، هزيمة تاريخية للعراق وغزو أميركي، أدى مجدداً إلى تغيير وضع المنطقة، وجغرافيا سياسية مختلفة بعد 1990 عما كانت عليه قبلها، وضربة كبيرة للجيش العراقي بعد كل ما أنفق عليه من أموال. صارت إيران قادرة بعدها على المفاخرة بأن بغداد أصبحت واحدة من العواصم العربية التي وقعت في قبضتها.

 

هذا في الماضي القريب. ولكن ماذا عن الحاضر؟ صواريخ «حزب الله» القادرة على تدمير إسرائيل، حسب مزاعم أمينه العام حسن نصر الله. و«الجماهير» المصطفة أمام الشاشة الكبيرة تهتف وتصفق وتلوّح بالرايات. قبل ذلك، في عام 2006 فعل نصر الله الشيء نفسه. انتهى الأمر بدمار كبير في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي البنية التحتية للبنان، من طرقات وجسور ومنشآت أساسية. خرج الأمين العام بعد ذلك ليعلن، لو كنت أعرف هذه النتيجة لما أقدمت على الحرب.

 

اعتراف كان يقتضي المحاسبة، كي لا يتكرر الوعد والتهديد، ولا تتكرر الكارثة. ولكن من يجرؤ على المحاسبة، وأين تجد بين العرب من يتعلم من دروس الحروب والهزائم؟