برز رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع كأحد السياسيين الذين يتقنون فنّ الخطاب. وتُنتظر كلمته في «ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية» سنوياً، على الصعيدين السياسي والشعبي. عبارة واحدة من الرجل قد تثير جدلاً وتصبح «Trend»، على غرار «قوم بوس تيريز». هذه السنة، تأتي الذكرى عشيّة حوار اقتصادي - وطني في القصر الجمهوري، في مرحلة سياسية - اقتصادية دقيقة، وفي ظلّ تصاعد وتيرة العقوبات الأميركية على «حزب الله» والمرتبطين به، كذلك في ظلّ التوتر الأمني بعد سقوط مسيّرتين إسرائيليتين في ضاحية بيروت الجنوبية، فضلاً عن نزاع التعيينات داخل الدولة وتَواصل التردّي في العلاقة بين «القوات» و«التيار الوطني الحر». ومع افتقاد العلاقة بين «القوات» والعهد لـ«الوئام»، ينتظر القواتيّون موقف جعجع، هل «سنبقى ونستمر» في الحكومة؟ المُطّلعون على الكلمة يؤكدون أنّ هناك مواقف واضحة وإعلاناً بارزاً لـ«الحكيم».
 

يُحيي حزب «القوات اللبنانية» هذه الذكرى السنوية تحت عنوان «ما راحو»، بقداس يرعاه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، يُقام في المقرّ العام للحزب في معراب، إبتداءً من الخامسة عصر غد الأحد.

في كلّ سنة يجلب أيلول معه هذه الذكرى المرتبطة بوجدان كثير من المسيحيين، ولقد اختير العنوان رداً على مقولة يرددها كثيرون حين يُأتى على ذكر زمن الحرب والشهداء: «ضيعان اللي راحو». بالنسبة إلى «القوات» هذه المقولة «غير صحيحة، وتقلّل من قيمة ما قدّمه الشهداء الذين لولا تضحياتهم واستشهادهم لَما بَقي وطن، ولَما بَقي من لبنان إلّا الاسم فقط، وكنّا أصبحنا في وطنٍ بديل». لذلك، تشدّد على أنّ الشهداء «ما راحو ضيعان».

ويأتي هذا العنوان ليؤكّد أيضاً أنّ «القوات» مستمرة اليوم في النضال، لأنّ هناك نزاعَين: الأوّل، وجودي مرتبط بسلاح «حزب الله» وضرورة تسليمه إلى الدولة اللبنانية. والثاني، مرتبط ببنية الدولة وطريقة إدارتها.

وفي حين تمحورت كلمة جعجع في هذه المناسبة، العام الماضي، على محطة ما بعد الانتخابات النيابية وما حققته «القوات»، بعد أن تمحورت عام 2017 على محطة التحضير لتلك الإنتخابات، فإنّ كلمته ستكون هذه السنة مفصلية بين مرحلتين: مرحلة التسوية الرئاسية التي شاركت فيها «القوات» كركن أساسي والتي تؤكّد أنها ما زالت وستبقى من أركانها، ومرحلة التأسيس لمناخ وأجواء سياسية جديدة.

لكنّ هذه المرحلة الجديدة التي سيُعلنها جعجع لن تكون «مرحلة معارضة»، لا من داخل الحكومة ولا من خارجها، بل ستستمر معارضة «القوات» «عالقطعة» وفق الملف المطروح. وعلى رغم ذلك، يؤكّد مطلعون على كلمة «الحكيم» أنّ «خطابه سيكون مفصلياً، وسيؤسس لمرحلة سياسية جديدة، لأنّ ما مرّ به البلد لم يعد مسموحاً أن يستمر على هذا المنوال».

كعادته، يوجّه رئيس «القوات» الرسائل في كلمته إنطلاقاً من اللحظة السياسية القائمة. ويعتني كثيراً بالمفردات التي يستخدمها، وبترتيب الأفكار في خطابه لإيصال الرسائل المطلوبة إلى الرأي العام. وتتضمّن الكلمة التي سيلقيها غداً المحاور الآتية:

- الشهادة والشهداء. - إنتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية والمصالحة بين «القوات» و«التيار الوطني الحر».

- الصراع العربي - الإسرائيلي وقيام الدولة في لبنان و«النأي بالنفس» والقرار الاستراتيجي. - الدور المسيحي في الدولة والشراكة.

- «القوات»، كيف تمارس السياسة والإدارة إن في مجلس النواب أو في الحكومة من خلال اعتمادها القوانين المرعية والشفافية في عملها، والفصل بين موقفها السياسي الوطني والاستراتيجي وبين طريقة ممارستها داخل الدولة حيث لا تميّز بين المواطنين لأيّ فئة ينتمون.

أمّا المحور الأبرز والأساس في كلمة جعجع فهو عن ممارسة الشأن العام وعن رجال الدولة، إذ يعتبر رئيس «القوات» أنّ الوضع الذي وصلنا إليه هو نتيجة غياب رجال الدولة وأركانها الحقيقيين. وفي هذا الإطار سيُسقط جعجع، من خلال كلمته، بعض التوصيفات على بعض السياسيين، التي من المُرتقب أن تلقى ردود فعل كثيرة ومختلفة.

على صعيد الرسائل السياسية، سيُوجّه جعجع أكثر من رسالة إلى المسؤولين جميعاً، والرسالة الأساس هي أنّ «القوات لن تغطّي، تحت أي عنوان أو سبب، أي ممارسة سياسية تذلّ المواطن، ولذلك ستتصدى وتواجه كلّ من يغطّي ويساهم في توسيع رقعة السرطان داخل الجسم اللبناني».

كذلك، سيؤكّد أنّ «القوات مرتاحة ومنسجمة مع تموضعها، ولا تريد لا محاصصة ولا مواقع ولا مراكز، بل تسعى الى للوصول إلى دولة لبنان النظيفة».

وكعادته، لن يغفل جعجع توجيه رسالة إلى «حزب الله» يؤكّد فيها أن «لا دولة من دون سيادة». وهنا ستصل الرسالة الى كلّ معني وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، وسيرسم جعجع خطوطاً لأي استراتيجية دفاعية، وسيُشدّد على «مركزية القرار الاستراتيجي، الذي يجب أن يكون سياسياً داخل الحكومة وعسكرياً في يد الجيش اللبناني، وخلاف ذلك لا تُوافق القوات على أي طرح».

أمّا الرسالة المنتظرة إلى العهد، فستحمل الأسباب الموجبة التي دفعت «القوات» إلى انتخاب عون رئيساً للجمهورية، إضافة إلى ملاحظاتها على ما آلت إليه الأمور بين الطرفين، وأين أصبحت العلاقة، ومن يتحمّل مسؤولية ذلك.

كذلك، سيأتي جعجع على ذِكر النقاط العشر التي اتفق عليها الطرفان عند ترشيح «القوات» لعون من معراب، وسيكشف من لم يلتزم بها وبمجمل الإتفاق. وفي حين أنّ هذه الرسالة تطاول أيضاً رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، إلّا أنّ جعجع لن يتوجه بالحديث مباشرة إليه، بل من خلال حديثه عن العلاقة بين الطرفين.

وفضلاً عن مخاطبته «القواتيين» وعن الكلام الوجداني الذي لن يغيب عن كلمته، سيوجّه جعجع رسالة إلى اللبنانيين عامة، مؤكداً أنّ «القوات ستواصل نضالها، وأنها ستصعّد من وتيرة مواجهتها على أكثر من مستوى وصعيد، في إطار سعيها لبناء دولة».

أمّا الرأي العام المسيحي، الذي يتسابق «التيار» و«القوات» إلى كسبِه، فسيتوجّه جعجع إليه مشدداً على «الشراكة». وسيغمز من قناة عون وباسيل، إذ إنّه سيقول بنحوٍ واضح للمسيحيين إنّ «لبنان لا يعيش بلا الميثاق، ولا قيمة له من دون الشراكة التي هي علّة وجوده. لكن لا يُمكن تحقيق الشراكة المطلوبة من دون أن يكون هناك دولة، ومَن يتخلى عن مفهوم الدولة يضرب هذه الشراكة بالصميم».

وسيؤكد أنّ «القوات»، إنطلاقاً من استعادة الشراكة ومن تمثيلها الفعّال شعبياً ونيابياً ووزارياً، سوف تصرف قوتها هذه لاستعادة حضور الدولة وهيبتها، وستوظّفها في اتجاه الدولة الحقيقية النظيفة. فلا قيمة لأي بلد إذا كنت الدولة فيه مُغيّبة، وإذا كان ساحة لمشاريع إقليمية ولا تُطبَّق فيه القوانين».

أمّا مشاركة جعجع شخصياً أو عبر ممثّل عنه في اجتماع بعبدا الاثنين فتخضع للدرس، ولم تعلن «القوات» أي موقف من المشاركة أو عدمها إلى حين كتابة هذه السطور. بدوره، لم يكن جعجع قد قرّر بعد إذا كان سيتطرّق في كلمته إلى الاجتماع والمشاركة.

إنّ غداً لناظره قريب، وستكون كلمة جعجع وفق المطّلعين «من العيار الثقيل، واضحة المعالم، وستؤسّس لمرحلة جديدة». ويؤكّد هؤلاء أنّ «القوات بعد هذه الكلمة غير القوات ما قبلها».