سؤال الأسئلة بعد عاصفة «المُسيَّرات» التي اجتاحت الضاحية الجنوبية: كيف سيكون رد السيد حسن نصر الله؟ ومتى؟ وأين؟ ينتج عن هذا السؤال سؤال ربما يكون أكثر أهمية: ماذا ستفعل إسرائيل بعد دقائق من قيام السيد نصر الله بالرد؟ ما يصدر عن طرفي المعادلة، نصر الله ونتنياهو، لا يقدم إجابات شافية عن السؤالين، إلا أن الجانب الإسرائيلي وكعادته اتخذ إجراءات احترازية وفق توصيات المستوى الاستخباري، كما أن الرد المتوقع من السيد نصر الله سيذهب إلى الحد الأقصى.

 

وإذا كان من النادر أو حتى المستحيل بلورة إجماع في إسرائيل حول كيفية معالجة التحديات والأخطار، فإن الإجماع الوحيد الذي ظهر بعد عاصفة المُسيَّرات وعاصفة تهديدات حسن نصر الله، هو أن الدولة العبرية بكل مكوناتها تنظر لتهديداته على أنها جدية. وتعتمد كل الروايات على أن حسن نصر الله يختلف عن كثيرين غيره، بما في ذلك قاسم سليماني، بأنه إذا قال فعل، غير أن المناخ في إسرائيل الذي يتميز بالترقب والاستعداد في أجواء الانتخابات المكتظة بالمزايدات النارية بين أطرافها، يقابله في لبنان، وتحديداً على جبهة السيد حسن نصر الله، مناخ ملتبس، فهو وإن أطلق العنان للغة التي كانت محببة لكل اللبنانيين زمن الاحتلال الإسرائيلي، والإجماع على تحرير الجنوب، فإنه الآن في وضع مختلف، ويتعين عليه ألا يتجاهل هذا الجديد، فبمجرد أن هددت إسرائيل لبنان كله إذا نفذ نصر الله تهديداته، فإن قوى أساسية في لبنان ومن داخل النظام والتركيبة الائتلافية الهشة، ترى أن نصر الله أدخل البلد في حرب مدمرة جذرها حرب النفوذ، التي تتلاحق فصولها خارج لبنان. فليس كل اللبنانيين - وهذا أشار إليه نصر الله صراحة - يعتبرون أن مقتل عناصر من «حزب الله» على الأراضي السورية وحتى على تخومها في لبنان، هو جزء من حرب الدفاع عن البلد ووحدته وسيادته واستقلاله.

 

لقد وجد حسن نصر الله، المسكون بإثبات مصداقيته بعد أن عوّد الجميع عليها، نفسه أمام شبكة مؤثرات كلها غير مسيطر على تفاعلاتها. وأخال أن جهازه المكلف تحديد الرد يقف حيال أحجية عصية عن الحل: «كيف يرد دون أن تصل الأمور حد مواجهة واسعة، تشبه تلك المواجهات التي أكد فيها نصر الله مصداقيته في المواجهة».

 

الرد الذي يمكن استنتاجه، ولو على وجه التقريب، إمّا أن يتم بتفاهم عبر طرف ثالث مع إسرائيل يتحدد فيه مستوى الرد الذي يمكن أن يبتلعه نتنياهو، وأن يكتفي حال حدوثه بمجرد رد استعراضي لا يصل حد المواجهة الواسعة، أو أن يكون رد نصراغلله متواضعاً بحيث تؤجل إسرائيل الرد عليه إلى ما بعد الانتخابات، وهذا احتمال غير مضمون ما دام الأمر يتعلق بحسابات نتنياهو، الذي لديه الاستعداد المجرب لحرق السهل كله، مقابل أن يظل على مقعد رئيس الوزراء.

 

موقف حسن نصر الله قدر ما هو منطقي ومبرر في أمر المصداقية وحتمية إنقاذها بالرد، بقدر ما هو صعب إذا ما استعيد من الذاكرة ذلك الموقف الصريح الذي أعلنه بعد الحرب التدميرية الواسعة التي شنتها إسرائيل على الجنوب: «لو كنت أعرف أن الرد سيكون هكذا، لما فعلت ما فعلت».

 

سؤال آخر لا بد أن ينهض أمام من يحاولون قراءة الموقف وتداعياته حول لبنان الرسمي، الذي وقع تحت التهديد ولكن على الطريقة الأميركية: هل هنالك تطمينات بأن إسرائيل لن توسع عملياتها لتشمل أهدافاً خارج نطاق معاقل «حزب الله»؟ من يعرف ومن يتأكد؟ حين يكون الطرف المقابل في المعادلة هو نتنياهو الذي يتماهى مع نصر الله في دوافع العمل... فنصرالله بحاجة للدفاع عن صدقيته، ونتنياهو بحاجة للدفاع عن مصيره، وبين حاجات الاثنين ليس لنا نحن من نراقب سوى الدعاء بأن يحفظ الله لبنان.