يعتبر البعض محافظة كسروان-الفتوح وجبيل «قيمة معنوية» فيما أبناء المنطقة يؤكدون أنها «قيمة عملية» مُستحقة للمنطقة ولأبنائها، إذ «لا تنقصهم معنويات» بل محافظة محلّية ومؤسسات، بمواصفات قانونية حديثة متقدّمة تلاقي طموحاتهم. فهل مَن يؤيّد «رحلة» المواطن إلى بعبدا لإتمام معاملاته الإدارية والمالية والقضائية؟ وهل مَن يُنكر أنّ توقفَ انطلاق آلاف السيارات يومياً الى بعبدا هو إنجازٌ بحدّ ذاته؟ فعندما أُنشئت المحافظة في بعبدا كان عدد السكان من جبيل الى الشوف لا يتجاوز الـ 300 ألف نسمة، اما اليوم فلا تقل عن مليوني نسمة. مَن يعارض إنشاء المحافظة؟ ولماذا؟
 

والسؤال الأهم: هل هدف إيقاف إقرار المشروع 14 عاماً بسبب إعتراض البعض على نقل السلطة من بعبدا إلى جونيه؟ أم لأسباب أخرى؟ اليوم وبعد مضي سنتين على إقرار المشروع هل «تستجدّ» مشكلة في التنفيذ؟ وهل مَن كان يعارض قيامَ محافظة في كسروان جبيل في الأمس ما زال يبحث عن مخارج لعرقلتها اليوم؟

معلومات «الجمهورية» تؤكّد أنّ المعارك المقبلة لـ«التيّار الوطني الحر» وغيره من الأحزاب المسيحية، بالإضافة الى قانون اللامركزية الإدارية، سيكون تنفيذ مشروع «محافظة كسروان-جبيل»، على رغم من أنه ظاهريّاً ليس معركتهم، بل هو المطلب الرئيسي لنواب كسروان، الحزبيين والمستقلّين، بل هي معركةٌ خاضها النائب السابق نعمةالله أبي نصر منفرداً وخرج منها منتصراً بعد عمر. صحيح أنّ الأحزاب الأخرى كـ«القوات اللبنانية» تبنّت المشروع عام 2015 والتيّار لاحقاً، لكنّ أبي نصر كانت له شجاعةُ اقتراح القانون منفرداً في عزّ الأزمة المسيحية عام 2003، وهو مستقل، وهم في عزلةِ المنفى والإعتقال.

وفق المعلومات، تنفيذُ القانون يواجه معارضة «صامتة» شبيهة بالمعارضة التي «راوغت» في إقرار القانون مدة 14 عاماً فلم يُقر قبل الـ 2017 لأسباب معلنة وغير معلنة، ولكنّها معلومة.

والمعلن هو ما اعتبره البعض المُعارض بـ«المحافظة المركزية» التي ستكون خاضعةً لسلطةٍ بحت مسيحية إن لم نقل ستبقى بنظر البعض «محافظة الموارنة» التي لم تمر.

تلفت أوساط مطّلعة الى أنّ ظروف الأمس ليست شبيهة بظرف عهد الرئيس القوي الذي ترأس كتلة نواب كسروان قبل وصوله الى سدّة الرئاسة. والجدير ذكره أنّ المحافظة نفسَها لم تواجه معارضة من الحكومة فقط، بل معارضة سياسية محلية من أبناء محافظة جبل لبنان أنفسهم؛ منهم مَن رأى في إنشاء هذه المحافظة مسّاً برمزية محافظة جبل لبنان مع ما تعنيه هذه المحافظة تاريخياً ومعنوياً لأبناء المنطقة، ومنهم مَن إنزعج من إنشاء محافظة، غالبيةُ أبنائها من لونٍ طائفيٍّ واحد أي «محافظة الموارنة»، وهو كان رأي وزير الداخلية نهاد المشنوق آنذاك، ومِن أنّ المحافظة المقترَحة تفتقر إلى التنوّع الشعبي وهي من لون واحد... ومنهم مَن فضّل وجوبَ تطبيق اللامركزية أولاً، وبعدها يُنظر في المحافظة.

عرابُ القانون ابي نصر يقول لـ«الجمهورية» إنّ تقديم طلب إنشاء محافظة كسروان جبيل تزامن مع طلب إنشاء محافظتي بعلبك-الهرمل وعكار وإقرار إنشاء هاتين المحافظتين تمّ خلال أشهر معدودة، أما إقرار محافظة كسروان جبيل فأخذ 15 عاماً من 9/4/2003 لغاية 14/9/2017، والأسباب معروفة لأنه لم يكن هناك قرار سياسي يسمح بإنشاء محافظة في جبل لبنان غالبيةُ أبنائها من المسيحيين.

ولفت أنه لو اعتمدَت حكومات ما بعد الطائف سياسة الإنماء المتوازن بين المناطق، لما تأخر إقرارُ الإقتراح 15 عاماً. إنما اعتمدت سياسة التمييز والمفاضلة بين منطقة وأخرى إنمائياً، وبين مواطن وآخر في إدارات الدولة ومراكز القرار.

بالنسبة لبقية النواب، فلم تكن لهم مصلحة في المَسّ بمحافظة جبل لبنان وبرمزيّتها التاريخية.

أما «نواب «حزب الله» فكانوا مع الإقتراح منذ البداية»، بحسب ابي نصر، لكنّ المصادر المقرّبة من «الحزب» تتخوّف اليوم من إنشاء محافظة في منطقة مركزية في لبنان قبل معرفة مدى الأسباب الموجبة والوجيهة، متفهِّمة قيامها في عكار مثلاً، في وقت أشارت الى أنّ موضوع اللامركزية تتمّ مناقشتُه حاليّاً في مجلس النواب، ويُفترض أن تُشكَّل مجالس أقضية تناقش صلاحياتها في اللجان النيابية أي انتقالها من مستوى المحافظة الى القضاء، وهذه المجالس ستتمتع بصلاحيات إنمائية واسعة وربما إدارية.

أين أصبح تنفيذ مشروع المحافظة اليوم؟ برأي أبي نصر أنّ العبرة الآن في التمويل والتنفيذ، ففور إقرار قانون المحافظة الذي وقّعه الرئيس عون، أصدرت وزارة المالية أربعة تعاميم حول تعبئة ملاك المحافظة الجديدة ودراسة موقعها ودوائرها، كما إجراء إحصاء حول أسماء الموظفين الذين يقيمون في نطاق المحافظة الجديدة الراغبين بالإلتحاق بدوائرها، خصوصاً أنّ ما يقارب 6 آلاف معاملة إدارية ومالية تُقدّم يومياً في كل مِن قضائي كسروان - الفتوح وجبيل.

وكشف أنّ رئيس إتحاد بلديات كسروان - الفتوح جوان حبيش أظهر كل استعداد لمؤازرة تنفيذ المحافظة على الأرض مقترِحاً بناءَ مبنى إضافي فوق سرايا جونيه لتسهيل مهمات المحافظة الإدارية. كخطوة أولى، فيما الخطوة الأساسية تبدأ بمبادرة من وزارة الداخلية بتعيين محافظ جديد ليستلّم مهام قائمقام جونية بعد اقتراح الوزيرة ريا الحسن اسماً للمحافظ الجديد وطرحه على مجلس الوزراء في أقرب فرصة، ورصد مبلغ من مخصّصات الوزارة لتمويل تنفيذ القانون الذي تبلغ كلفته قرابة الـ 11 مليار ليرة لبنانية. ويلفت أبي نصر أنه إذا كان سبب تأخير التنفيذ اليوم عدم توافر أموال كافية، نسأل المعنيين: هل إنّ تعيين المحافظ له علاقة بدفع المال؟ مفترض أن تسارع الداخلية في تسمية محافظ ولا شيء يمنع من تعيينه فوراً.

«القوات» نائب المنطقة شوقي الدكاش قال: «كفى معارك، هي ليست معركة اساساً، بل مفاوضة وشراكة ومناقشة مع زملائنا في مجلس النواب، وإذا كانت كذلك فهي معركتنا جميعاً وليست معركة التيار أو غيره فقط، لافتاً الى أنّ القوات كانت سبّاقة للمطالبة بحكومة إلكترونية وبقيام تلك المحافظة وكذلك نواب المنطقة جميعاً، كاشفاً عن فحوى الجلسة التي جمعته بالرئيس عون برفقة النائب شامل روكز في اليوم الثاني من مناقشات إقرار الموازنة، حيث أكد الرئيس عون تصميمه على قيام تلك المحافظة في عهده، في وقت تمّ التباحث معه ايضاً عن الأطر الأسلم لقيام تلك المحافظة.. وإنّ سلفة المحافظة ستوضع في موازنة الـ 2020، وطلب منهم تحريك العملية لوضعها على الخطة الصحيحة إذ يلزمها موافقة وزارة الداخلية والمالية ووزارة الأشغال في حال إقرار بناء مبنى اضافي فوق سرايا جونيه لتسهيل مهمات المحافظة الإدارية».

إلّا انّ دكاش اقترح في لقائه مع الرئيس تخصيص مبلغ في الموازنة لبناء مبنى جديد مستقل يليق بمقام أهالي كسروان على أن يكون المبنى في إحدى مناطق العقيبة البوار او طبرجا، أي أنه قريب من جونيه وجبيل وضواحي كسروان، في وقت يرجّح أن تبلغ قيمة الكلفة والموضوعة لتنفيذ هذا المشروع عشرة مليارات، على أن تشمل دراسة جغرافية هذا المبنى بحيث يكون قريباً من الاوتوستراد وتكون له مواقف حديثة ومنظمة.

اللامركزية المطلب الأساسي مصادر «التيار الحر» أشارت الى انّ إنشاء المحافظة لا يستدعي توظيفاً اضافياً، بل هو نقل صلاحيات، اي يمكن لموظفي قائمقام جبيل وكسروان أن يتحولوا الى موظفين للمحافظة.

لكن تتخوّف من عرقلة هذه المهمة التي تعطي المنطقة نوعاً من الاستقلالية، معتبرة أنّ هذا الأمر أخطر من المادة 95، مؤكّدة انه اذا كان هناك من تنفيذ للمادة 95، فليس وارداً قيامها دون تحقيق اللامركزية الادارية، ولا يمكن إلغاء الطائفية السياسية او الطائفية ككل دون مجلس شيوخ ولامركزية ادارية وهذا هو جوهر المشكل.

ولفتت المصادر أنّ هذه المشاكل هي التي تُبحث الآن في المجالس الضيّقة في التيّار، فيما اشارت انّ طيلة المرحلة التي طُبّق فيها اتفاق الطائف اي من التسعينات لغاية دخول التيار الوطني الى الحكم كما القوات، كما أنّ جبل لبنان كان ولا يزال «المغذّي» الاول للموازنة اللبنانية من تسديد فواتير مياه وكهرباء، وكانت اقضية جبل لبنان هي الاكثر والارفع مساهمة في نسب الدولة من مصادر الجباية، وتسديد المتوجبات ايّا تكن. في المقابل كانت باقي الأقضية هي المستفيدة أكثر والمساهِمة أقل، كذلك كانت نسبة مساهمة الدولة في المشاريع الانمائية معدومة إن لم نقل متدنية في اقضية جبل لبنان. وتضيف المصادر انه لولا وصول عون الى سدة الرئاسة لما تمكنّا من إحداث معركة لتوسيع اوتوستراد بيروت طرابلس الذي يفيد كل اللبنانيين انطلاقاً من نهر الكلب وصولا الى عكار، ولولا عون وتضافر جهود «التيار» و»القوات» لما حققنا مشروع مرفأ جونية وحقوق البلديات.

وعن إنشاء المحافظات توضح مصادر مطلعة ان لا علاقة لإنشاء المحافظات بموضوع اللامركزية، لأنّ المحافظة هي الوحدات الادارية التي ترتبط مباشرة بالسلطة المركزية التي تعيّنها...

«الداخلية»: سندرس الطلب توضح مصادر وزيرة الداخلية ريا الحسن انّ القانون صدر، لكن المراسيم التطبيقية لم تصدر بعد، والوزارة تتابع الاجراءات لتطبيق القانون، فهناك إجراءات يجب اعتمادها اسوة بباقي المحافظات المستحدثة، لافتةً الى انّ الامر ليس فقط عملية تعيين محافظ. وأشارت المصادر أنّ حديث الحسن لمن قصدها من نواب كسروان التأكيد من انها سوف تدرج طلبهم بتخصيص مبلغ 11 مليار في موازنة الـ2020، والمالية هي التي تقرر مع مجلس الوزراء مجتمعاً الطلب، في وقت تؤكد تلك المصادر أنّ الوزيرة ستدرس طلبهم في موازنة الوزارة لعام 2020.

في النهاية تحقيق حلم المحافظة هو خطوة اساسية نحو اللامركزية الادارية والانماء المتوازن الذي يطالب به الجميع. ووفق نواب كسروان ما كان يحق لمحافظة بعلبك -الهرمل يحق ايضاً لأهالي جبيل وكسروان بعد إقراره وتوقيعه من الرئيس عون.