من المؤكد أن استمرار الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة سيؤثر على الاقتصاد العالمي، ويسبِّب اضطرابات في سوق النفط، وقد تستفيد منه إيران والصين. وأدت الحرب التجارية المتصاعدة بين الدولتين، التي أظهرت قمة بياريتز التي انعقدت نهاية الأسبوع الماضي قلق الدول الصناعية من سلبياتها، إلى احتمال حدوث حدثين لتغيير لعبة أسواق النفط. أولاً: المزيد من النفط الخام الإيراني الذي قد يجد طريقه إلى السوق (باعت إيران نفط ناقلتها التي كانت محتجزة في جبل طارق). وثانياً: اضطراب أسواق النفط العالمية بسبب زيادة العرض الناجم من النفط الإيراني. في الأول من أغسطس (آب) الجاري أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إدارته ستفرض تعريفة إضافية بنسبة 10% على الواردات الصينية بقيمة 300 مليار دولار ابتداءً من الأول من سبتمبر (أيلول) المقبل. عاد وأجلها إلى منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول)، وهو الآن بصدد إعادة تقديم الموعد إلى 1 أكتوبر (تشرين الأول) وزيادة التعريفة 25% و30%. ورداً على تهديده الأول خفضت الصين عملتها بشكل حاد، وصل إلى أدنى مستوى مقابل الدولار الأميركي منذ أكثر من عقد من الزمن، وأعلنت أن شركاتها قد توقفت عن شراء المنتجات الزراعية الأميركية. صعّد ترمب الحملة أكثر بأن أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الصين تتلاعب بالعملة. تسببت التوترات المتصاعدة بين البلدين في انخفاض أسعار «برنت» بنسبة 7.6%، بعدما أعلن ترمب عن زيادة 10% على البضائع الصينية، ثم انخفض سعر «برنت» 3% في 5 من الشهر الجاري بعد انخفاض سعر «اليوان» العملة الصينية. تزامن انخفاض أسعار النفط مع المخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض توقعات الطلب على النفط بسبب ذلك. يقول لي محدثي المتخصص بالاقتصاد العالمي، إن معنويات المستثمرين ورجال الأعمال تتأثر إلى حد كبير بالحرب التجارية القائمة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، والاعتقاد بأنه إذا استمرت في التصاعد فسوف يغرق العالم في الركود. كانت إحدى شركات الأبحاث قد حذرت في يونيو (حزيران) الماضي من أنه إذا لم يتم التوصل إلى حل لهذه الحرب، فسيكون لها القدرة على إطلاق الركود عام 2020 «إن لم يكن قبل ذلك». علاوة على ما مرّ، أعلن مصرف «غولدمان ساكس» مؤخراً أنه لا يتوقع اتفاقاً بين أميركا والصين على أي صفقة لإنهاء نزاعهما التجاري قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ويقول محدثي إن المحللين قاموا بمراجعة توقعات نمو الطلب على النفط، فخفضوا نمو الطلب العالمي إلى مليون برميل يومياً، وأضاف أن البنك البريطاني «باركليز» قلص توقعاته للنمو الاقتصادي للولايات المتحدة والصين والهند والبرازيل، وهي دول تمثل أكثر من ثلاثة أرباع الطلب العالمي على النفط، كما خفض توقعاته لنمو الطلب بمقدار 300 ألف برميل يومياً إلى مليون، على الرغم من أن «بنك أوف أميركا - ميريل لينش» يقدر النمو بنحو 1.2 مليون برميل يومياً لهذا العام، إلا أن الطلب العالمي على النفط يسير بأضعف معدل له منذ عام 2012. يوضح: هذه ليست سوى مخاطر لجانب الطلب الذي تواجهه أسواق النفط، لكن من الممكن أن تواجه السوق في المستقبل القريب مخاطر تعطل جانب العرض أيضاً، فالنفط الإيراني الخام الذي يواجه طلباً متضائلاً في السوق بسبب العقوبات الأميركية لديه القدرة على فرض مثل هذه المخاطر. ووفقاً لتقارير أخيرة، قامت ناقلات النفط الإيرانية بتفريغ إمداداتها في الموانئ الصينية بهدوء، وتتراوح تقديرات حجم الخام الإيراني الذي تم شحنه إلى الصين ما بين يناير (كانون الثاني) من العام الحالي ومايو (أيار) ما بين 12 و14 مليون برميل. والتقديرات تشير إلى احتمال أن يكون هناك 20 مليون برميل في الطريق الآن إلى الصين. كانت صحيفة «الفاينانشيال تايمز» البريطانية قد نشرت أخيراً، أن بنك «كونلون» التابع لشركة الصين الوطنية للبترول استخدم في الأشهر الأخيرة أسطولاً من الناقلات في محاولة واضحة لنقل النفط من إيران إلى الصين، وأنه تم رصد ما لا يقل عن 3 ناقلات مرتبطة بـ«كونلون» تلتقي مع السفن الإيرانية منذ مايو الماضي، فإذا كان هذا صحيحاً فربما حتى الصين تساعد إيران على شحن نفطها إلى الموانئ الصينية. تحتفظ الصين بهذا النفط فيما يسمى «Bonded storage»، وهذا يعني أن النفط لم يمر بعد عبر الجمارك الصينية ولم يتم استخدامه، وبالتالي لا ينتهك بالفعل العقوبات الأميركية. إن انخفاض الصادرات الإيرانية زاد من تخزينها البري والعائم، لكنها لا تستطيع إيقاف ضخ النفط، لأن تركه تحت الأرض يمكن أن يؤدي إلى أضرار دائمة في آبارها النفطية، من هنا فإن الـ«Bonded storage» لنفطها يُعد حلاً ممتازاً لمواصلة ضخ النفط، وتجنب الاضطرار إلى استخدام الكثير من ناقلاتها كمرافق تخزين عائمة. يقول محدثي: يمنح هذا الترتيب إيران والصين الخيارات في حال قررت الصين تحدي العقوبات الأميركية، من جانبها وبكل تأكيد سترحب إيران بأي فرصة لتبيع نفطها. ومن الواضح أن عليها تخفيض السعر بشكل كبير بسبب المخاطر المرتبطة بالبيع، وسوف تستفيد الصين من هذه الخصومات الكبيرة، لأن هذا في النهاية يمثل صفقة جيدة لكلا البلدين. كان تقرير بثّته القناة الأميركية «سي إن بي سي» حول هذا الاحتمال قبل تخفيض الصين لعملتها اليوان وخفضها لشراء السلع الزراعية الأميركية، جاء فيه أنه وبينما كانت الأسواق تنتظر رداً من الصين على تهديد التعريفة الجمركية الأخيرة، حذر المحللون من أن تقلب سوق النفط سيتضاعف، «لأن شراء النفط الإيراني واحد من الاحتمالات التي تدرسها الصين كرد فعل». يشرح محدثي: حتى لو استجابت بكين بشكل مختلف مؤقتاً، إلا أنه من المقرر أن تشتري النفط الإيراني في المستقبل. إذا حدث هذا فقد تنخفض أسعار النفط الخام 30 دولاراً. استند في ذلك إلى ما جاء في تقرير «بنك أوف أميركا- ميريل لينش»: «بينما نحتفظ بتوقعاتنا ببقاء سعر النفط 60 دولاراً للبرميل في السنة المقبلة، إلا أننا نعترف بأن قراراً صينياً بإعادة شراء النفط الإيراني يمكن أن يدفع بأسعار النفط إلى مأزق»، وحذر بالتالي من أنه في ظل هذا السيناريو فقد ينخفض سعر برميل النفط ما بين 20 دولاراً و30 دولاراً. من الواضح أن هناك احتمالات كبيرة وراء هذا التخمين، لأن قرار تحدي العقوبات الأميركية سيضر الاقتصاد الصيني أكثر، لذلك علينا مراقبة التطورات المقبلة في هذه الحرب التجارية الضروس، وكيف ستتكشف المفاوضات التجارية بين البلدين، وبالتالي ما تقرر الصين القيام به مع النفط الإيراني الموجود في موانئها. لذلك يمكن لهذه المتغيرات أن تقرر مصير أسواق النفط العالمية على المدى القصير. في قمة بياريتز قال الرئيس ترمب: «إن نائب الرئيس الصيني عبّر عن رغبة الصين في التوصل إلى اتفاق... قد يحدث هذا وقد لا يحدث، لكنني متأكد من أنهم راغبون في التوصل إلى اتفاق»! لكن الصين تقول إنها لن ترضخ للشروط الأميركية.