لم يعد السؤال في الاوساط السياسية اللبنانية وصولاً الى الشعبية ما اذا كان “حزب الله” سيردّ على الهجومين الاسرائيليين الاخيرين في قلب الضاحية الجنوبية وسوريا، ولا سيما ان القيادة السياسية أعطت التوجيهات المطلوبة الى قيادة المقاومة لتنفيذ رد عسكري يستهدف نقطة اسرائيلية، على ان يُترك تحديد التوقيت والمكان المناسبين للقيادة العسكرية في الحزب ومن “قلب لبنان” وليس من أراضي مزارع شبعا المحتلة. 

 

وأصبحت معادلة الحزب التي ركز عليها أمينه العام السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير تقوم على النواة الآتية: الخرق يواجَه بالخرق والطائرة المسيّرة بأخرى والصاروخ بالصاروخ والدم بالدم، الى حين العودة الى منظومة توازن الردع بين الطرفين. وتبقى الرسالة الاساسية هي عدم تغيير قواعد الاشتباك، وان هذه النقطة المحورية هي التي يجب ان تكون سارية. ويؤكد قيادي كبير في الحزب لـ”النهار” ان “الرد آت ولا مفر منه”، ولكن لم يحدد موعده وما اذا كان قبل الانتخابات الاسرائيلية في 17 أيلول المقبل او بعدها، “لكن قرار الرد بات محسوماً ومتخذاً على أعلى المستويات”. ويضيف: “ليعلم بنيامين نتنياهو انه يلعب بدماء المجتمع الاسرائيلي”.

 

 من هنا ضاعف الجيش الاسرائيلي شعاع حركة استنفاره على الحدود مع لبنان من الناقورة الى آخر موقع له في مزارع شبعا. وعمد في الليلتين الاخيرتين الى اطلاق قنابل مضيئة على الحدود سقط بعضها في حرم مراكز للجيش اللبناني المستنفر بدوره تحسباً لحصول أي طارئ. ويقوم الاسرائيلي في الوقت نفسه بممارسة حرب نفسية ضد الجنوبيين من خلال تحذيره من لجوء الحزب الى الرد وانتهاج الخيار العسكري، علماً ان مثل هذه المحاولات لا تؤثر ولا تجدي عند الاهالي الذين يتمسكون بأرضهم ويؤمن اكثرهم بثلاثية: “الشعب والجيش والمقاومة”. وبات من الملاحظ ان سفراء الدول الكبرى الممثلة بلدانهم في مجلس الامن، اضافة الى الممثل الخاص للأمين العام للامم المتحدة يان كوبيتش، لم يتمكنوا من الحصول على جواب شاف وهو عدم إقدام “حزب الله” على الرد مقابل التعهد بعدم تكرار اسرائيل اعتداءاتها. 

 

وزاد من حيرة هؤلاء وتساؤلاتهم توصيف عون ما حصل من خرق وخصوصاً في الضاحية الجنوبية بأنه بمثابة “اعلان حرب”. وشكل هذا الموقف مظلة سياسية كبيرة للمقاومة. ويلاقيه هنا بالطبع الرئيس نبيه بري وأكثر وان كان الرئيس سعد الحريري يحاول التمايز عن مثل هذا الموقف الذي يرتكز على حق لبنان في الدفاع عن سيادته وان “حزب الله” يبقى صاحب حق.

 

 في غضون ذلك، ثمة من يربط ما حصل في اجتماعات بياريتز والدور الذي يلعبه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في إيجاد مساحة من التقارب مع ايران وخصومها في الادارة الاميركية والتي تجمع كلها على طريقة ارساء قواعد في مستقبل التعاطي مع طهران. ويقول مرجع في هذا الخصوص:”يجب التفتيش عن مستشار الامن القومي الاميركي (جون) بولتون” المتحمس لتوجيه ضربات ضد ايران منذ اليوم الاول وتأدية هذه الخدمة الثمينة لاسرائيل.

 

 وتفيد مصادر متابعة ان نتنياهو قد يعول على استثمار ارسال جيشه طائرتين مسيّرتين الى الضاحية في انتخاباته النيابية المنتظرة ليبقى في سدة السلطة والقرار الاول في تل أبيب، لكنه يريد اولا تنفيذ “حرتقة” على حصيلة لقاءات بياريتز ونجاح الفرنسيين في انضاجها، مع الاشارة الى ان بلدانا مناوئة لطهران في المنطقة مثل السعودية والامارات العربية ترغبان في فتح صفحة جديدة مع الايرانيين لقاء الحصول على جملة من الضمانات التي تهم الرياض في اليمن اولا الذي يبقى شغلها الشاغل. ولم يعد هناك مشكلة مع هذه الدول من حيث “التقرب” من النظام السوري بعد فتح قنوات حوار معه.  

جنبلاط وشبح الحرب

وتتجه كل الانظار الى الوساطة الفرنسية بين الاميركيين والايرانيين، وفي حال نجاحها قد تؤدي الى اعادة انتخاب ماكرون للرئاسة الفرنسية. ومن هنا يتابع الافرقاء حصيلة المساعي التي تقوم بها باريس، وفي مقدم هؤلاء رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي يحذر لـ”النهار” من “سياسة المتطرفين في اسرائيل وعلى رأسهم نتنياهو الذي حاول أكثر من مرة دفع اميركا الى حرب ضد ايران وفشل ابان عهد الرئيس السابق باراك اوباما رغم محاولات عدة له وسط التحديات التي اطلقها في قلب الكونغرس”.

 

 ويرى جنبلاط ان نتنياهو يحاول فعل الأمر نفسه اليوم مع الرئيس دونالد ترامب. ويعول هنا على “اهمية الدور الفرنسي وسياسة الرئيس ماكرون في محاولته جمع الرئيسين الاميركي ترامب والايراني حسن روحاني بغية التوصل الى تسوية مطلوبة وابعاد شبح الحرب والفوضى”.

 

 وبعد… وقبل اقدام “حزب الله” على الرد سيبقى الشارع اللبناني مقسوماً على عادته من حيث خيارات المقاومة كما كان ابان عدوان تموز 2006، وهذه المرة اكثر انقساماً وهو ما تريده اسرائيل التي لم تتأثر ولو تلقّت كل يوم شكوى لبنانية في مجلس الأمن.