في غمرة المواقف التصعيدية التي أطلقها، أمس، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في معرض ردّه على الاعتداء الاسرائيلي على منطقة الضاحية الجنوبية من خلال سقوط طائرتين مسيّرتين، استوقف تهديده بالرّد في لبنان وليس في مزارع شبعا، شخصيات بارزة في قوى 14 آذار السابقة، إذ لم تخفِ هذه الشخصيات تحسسها من هذا التهديد الذي لم يوضح نصرالله طبيعته وماهيّته، فيما الخيارات المتاحة أمامه للرّد في لبنان ليست كبيرة. فباستثناء السيناريو الرامي إلى إسقاط طائرات بعدما رفع نصرالله منظومة الرد إلى مستوى أعلى يتصل بالجو ولا يقتصر على منظومة الرد التقليدية، لا ترى شخصية بارزة في هذا المحور خيارات للرد على الاعتداء لا تقوّض الاستقرار الداخلي، وتعيد إحياء المناخ المتأزم من خلال استعادة مشهدية الاصطفاف الحادّ الذي حكم البلاد منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
 
وتبدي هذه الشخصية خشية كبرى مما أثاره نصرالله في تهديداته، معربة عن تخوفها على استقرار الوضع الداخلي الهشّ أساساً، في ظل المتغيرات المتسارعة على مستوى المنطقة، داعية في الوقت عينه إلى ترقب ما يجري في مدينة بياريتز الفرنسية حيث انضم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى محادثات اجتماع الدول السبع. وجاءت تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن احتمال لقائه الرئيس الإيراني حسن روحاني لتعزز الانطباعات بأن الأمور تتحرك في اتجاه العودة إلى طاولة المفاوضات، خصوصاً وأن الرئيس الفرنسي إيمامويل ماكرون نقل عن روحاني استعداده للقاء ترامب، كما كشف عن تهيئة الأجواء لعقد مثل هذا الاجتماع، وبالتالي احتمال التوصل إلى اتفاق.
 
واستغربت الشخصية تزامن ارتفاع حدة التصعيد محلياً فيما تتقدم على المحور الأميركي – الإيراني، متسائلة ما إذا كان التصعيد المحلي يدخل في إطار رفع سقف التفاوض.
 
ولم تخفِ الشخصية أيضاً استغرابها، وحتى انزعاجها، من توقيت الاعتداء الذي جاء في مرحلة دقيقة وخطيرة داخلياً، تتطلب جهوزية عالية المستوى على صعيد السلطة السياسية بما يؤهلها للاضطلاع بمسؤولياتها في إخراج البلاد من المأزق الاقتصادي المأزوم الذي بلغته بفعل سياسات التراخي والتلكوء. ورأت أن تعيينات المجلس الدستوري لم تقدم إلا دليلاً ساطعاً على النموذج الرديء والسيّئ الذي لا يزال يتحكم بنهج الحكم، والذي إذا انسحب على باقي التعيينات المنتظرة أو على القرارات الجريئة المطلوب اتخاذها، فهو لن يوجّه إلا المزيد من الرسائل والإشارات السلبية التي تمعن في تعميق جذور الأزمة.
 
وفي رأيها أن الاعتداء الاسرائيلي حرف الانتباه عن الملف المالي والاقتصادي بحيث انشغل الوسط السياسي بهذا الاعتداء، وتداعى المجلس الأعلى للدفاع إلى الاجتماع، فضلاً عن مجلس الوزراء الذي سيعقد جلستين، إحداها الخميس في بيت الدين، تتناول المستجدات الأمنية الأخيرة، والثانية يوم الثلثاء في السرايا تخصص لبحثأازمة النفايات، فيما تعدّ دوائر قصر بعبدا العدة من أجل عقد لقاء وطني اقتصادي الاسبوع المقبل.
 
كل هذه الحركة ولم ترشح بعد أي قرارات أو إجراءات من شأنها بثّ مناخ تفاؤلي في البلاد يدحض مخاوف مؤسسات التصنيف. والمعلوم أن الاعتداء الاسرائيلي جاء ليعقّد الأمور ويزيد الجو تشاؤماً، بحيث لا يساعد الكلام التهديدي والتصعيدي في تخفيف حدة التأزم القائم بل يزيد الوضع إرباكاً، ويقلّص فرص استعادة الثقة المفقودة، خصوصاً إذا نفّذ السيد تهديده بالرّد في لبنان.