لم يتمكن رئيس الحكومة سعد الحريري من تغيير مسار العقوبات الأميركية المتعلقة بحزب الله وحلفائه في لبنان، فالدفاع عن الحزب أمام الإدارة الأميركية أمر مستحيل وفق ما يؤكد مصدر دبلوماسي، كاشفاً عن أن العقوبات “ماشية كالنار”، وهي ستتجدد مع استئناف الكونغرس الأميركي عمله في أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، بعد العطلة الصيفية. 
 
فالكونغرس هو الذي يتولى الطلب من الإدارة الأميركية فرض عقوبات يتردد أنها ستشمل هذه المرة حلفاء للحزب من الطائفة المسيحية، ﻻ سيما أن الأميركيين يرددون أنهم ﻻ يضعون العقوبات على أساس ديني ومذهبي، بل على أساس التعاون مع حزب الله وإيران. وتكشف مصادر دبلوماسية عن أن الحريري الذي حاول الربط بين وقف العقوبات والتعهد بتسهيل مهمة الوسيط الأميركي لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، والبت بخط “هوف” (مخطط حدودي)، لم يفلح، في وقت سمع كلاماً واضحاً مفاده بأنّ العقوبات شيء والمفاوضات في شأن الحدود البحرية مع إسرائيل، تمهيداً للتنقيب عن الغاز، شيء آخر.
 
انواع العقوبات
 
وتصنيف العقوبات بشكل عام يأتي ضمن ثلاثة أنواع: المعنوية والتعاملية والمالية.
 
في الشق المالي، من المعلوم أن حزب الله ﻻ يتعامل مع المصارف وليست لديه عمليات مصرفية معلنة، لكن ارتباط النظام المالي العالمي بالوﻻيات المتحدة الأميركية يسمح بتعقب كل عملية مصرفية من بدايتها إلى نهايتها، من هنا شمول العقوبات الأميركية رجال أعمال ثبُت أنهم يسهّلون أعمال حزب الله المالية ويتولون نقل الأموال للحزب بالواسطة، علماً أن المصارف اللبنانية كانت، وبعد حادثة البنك اللبناني الكندي، وشموله ضمن العقوبات الأميركية، أعلنت ما يُعرف بالامتثال لقرارات الخزانة الأميركية، واتُّخذ قرار بتعيين ما يُعرف بضابط الامتثال compliance officer في كل فرع مصرفي، صغيراً كان أو كبيراً، لمراقبة وتعقّب الأسماء التي تحوم حولها شبهات.
 
الشق التعاملي
 
للعقوبات الأميركية أيضاً شق تعاملي، يتجسد بمنع من تشملهم العقوبات من السفر إلى الوﻻيات المتحدة الأميركية والى أي دولة أخرى ملتزمة القرار الأميركي، بحيث ترفض السفارات المعنية إعطاءه تأشيرة دخول، كما حصل أخيراً مع الوزير السابق وئام وهاب، المقرّب من حزب الله والنظام السوري، وقبله الوزير السابق ميشال سماحة، المحكوم بالسجن لمدة 11 عاماً لتورطه مع النظام السوري بنقل متفجرات إلى لبنان ﻻغتيال شخصيات دينية مسيحية ومسلمة بهدف إحداث البلبلة، خصوصاً في شمال البلاد. وإذا لحق الشق التعاملي بحلفاء الحزب، ربّما سيتسبّب بضررٍ أكبر، مقارنةً بتأثيره في نواب ومسؤولي الحزب الذين ﻻ يطلبون أصلاً تأشيرة دخول للسفر إلى الوﻻيات المتحدة الأميركية.
 
الشق المعنوي، يعرِّض سمعة الشخصيات التي يطالها إلى الحرج، مهما كابر هؤﻻء وحاولوا إظهار ﻻمباﻻتهم.
 
الشق المعنوي
 
وإذا ثبُت أن العقوبات ستشمل سياسيين ورجال أعمال مسيحيين، فتأثيرها المعنوي سيكون مضاعفاً، بخاصة ضمن البيئة التي ينتمي إليها المشمولون الجدد بالعقوبات على عكس بيئة حزب الله، الحاضرة أصلاً لتقبّل عواقب هذه العقوبات، علماً أنه وضمن بيئة الحزب، يُحكى عن تململ غير معلن، عبّر عنه أحد نواب الحزب في حديثه عن مستقبل ولدَيْه بعد تخرجهما من أهم الجامعات اللبنانية وبتفوق، لكن انتماء والدهما إلى الحزب كان عائقاً أمام حصولهما على عمل يلبي طموحاتهما في شركات مهمة، وقد بلغ الأمر حد القول لوالدهما “هل كان من الضروري أن تكون نائباً مع حزب الله؟”
 
الكلام الفرنسي
 
كل هذه العقوبات تأتي وﻻ شك في إطار الصراع الكبير الحاصل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والضغط على أذرعة طهران في المنطقة مستمر وبأشكال مختلفة. في العراق، اتخذ الضغط الأميركي على حلفاء الجمهورية الإيرانية أخيراً شكلاً عسكرياً بضربات موجعة على مراكز تابعة للحشد الشعبي العراقي.
 
 في لبنان، ﻻ يزال الضغط معنوياً وتعاملياً ومالياً وسط كلام جدي عن تحوله إلى عسكري، وهذا ما سمعه مسؤولون لبنانيون حديثاً من جهات رسمية فرنسية نقلت إلى اللبنانيين معلومات عن حرب محتملة على حزب الله ستتولاها إسرائيل، ما دفع رئيس كتلة نواب حزب الله محمد رعد إلى الإعلان في خطاب استبق سفر الحريري إلى واشنطن، أنّ “جيش الاحتلال الإسرائيلي يستعد لشن حرب على لبنان والمقاومة جاهزة”، ثم تهديد الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله الإسرائيليين بالقول “إذا دخلتم إلى أرضنا، ستحضرون بثاً مباشراً لتدمير اﻷلوية التابعة لكم”. 
 
كل ذلك ترافق مع كلام لرئيس الجمهورية عن الاستراتيجية الدفاعية والقول إن مناقشتها لم تعد مفيدةً اﻵن بعد التغييرات الحاصلة في الأنظمة الإقليمية.
 
بعد كل ما تقدم، هناك من يراهن على حاجة الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي إلى الاستقرار في لبنان، لأن “اللااستقرار” قد يدخل البلد والمنطقة بكاملها في حرب ﻻ تُعرف نهايتها، إضافة إلى عامل مهم هو وجود المليون ونصف المليون نازح سوري على أراضيه.
 
 فهل الحرص الدولي على الاستقرار في لبنان قد يمنع تحوّل الضغط الأميركي من ماليّ إلى عسكري؟