في افتتاح معرض الذاكرة الدبلوماسية السعودية – اللبنانية، في بيروت، تحت رعاية الرئيس سعد الحريري، ووسط حشد سياسي كبير، مال أحد الوزراء السابقين ليهمس في أذن أحد النواب قائلاً: «من المثير جداً أن يأتي العنوان الذي اختير لهذا المعرض، ليوحي بأن القلب ينبض مرتين: واحدة هنا وواحدة هناك!».

 

كان هذا الكلام تعليقاً على عنوان المعرض «شواهد نابضة»، وعندما سأل النائب: «لماذا مرتين؟»، كان الجواب مثيراً، عندما قال الوزير: «يعني أن العلاقات بين لبنان والمملكة العربية السعودية هي قلب نابض دائماً، ويعني أن هذا المعرض يقام في قلب بيروت أو ما يسمى (بيت بيروت – السوديكو)، وهو البناء التاريخي المميز الذي انتصر على الحرب اللبنانية، واختير ليكون مقراً لمعارض وندوات، تشهد قيماً ووقائع تاريخية تنبض بالحياة دائماً». كان هذا الحوار شيقاً وبارعاً طبعاً؛ لكن الوثائق والصور المهمة جداً التي عرضت كانت أهم وأغنى، لجهة توكيدها أن للتاريخ بين بيروت والرياض شواهد كثيرة وغنية، تبقى نابضة وحية ومستدامة، وخصوصاً عندما توقف الحضور ملياً أمام الصور والوثائق التي ترسم مساراً تاريخياً على امتداد 90 عاماً، وتبيّن أن دارة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، ومؤسسة البابطين، زودتا المعرض بكثير من الوثائق، تبيّن أن بينها وثيقتين تعرضان للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين الشقيقين، وهما الاتفاقية التي تم بموجبها توقيع معاهدة الصداقة عام 1931، أي قبل استقلال لبنان بـ12 عاماً.

 

السفير السعودي في بيروت وليد البخاري، قال في كلمته الافتتاحية، إن ملوكاً وولاة عهد، من الملك المؤسس عبد العزيز إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد، أحبوا ويحبون لبنان وإنجازات اللبنانيين، وطبيعته، وحضارته، وثقافته، وعيشه المشترك؛ لكنه عاد إلى ثلاثينات القرن الماضي مستحضراً قولاً للملك المؤسس، أرسى ووطَّد مرتكزات السياسة الخارجية والعلاقات النابضة مع لبنان، بقوله: «إن لبنان هو قطعة منا، وأنا أحمي استقلاله بنفسي، ولا أسمح لأي يد بأن تمتد إليه بسوء».

 

وليس غريباً أن يبقى هذا القول شاهداً على عمق العلاقات الأخوية بين البلدين: «شاهد نابض يلتقط اللحظة ويؤرخها، ويحتفظ للزمان بأن يبقى حياً، وللماضي بأن يبقى مضارعاً، ويسمح للحاضر بأن يبني المستقبل على ضوء الثوابت والحقائق، لا على الأوهام والأهواء».

 

كان من الواضح أن البخاري الشاب الذي صار سفيراً برتبة وزير، دارس متعمّق ومتعلّق بأهمية العلاقات بين لبنان والمملكة، ولهذا تعمّد دائماً الإضاءة على هذا التاريخ، عبر تنظيم سلسلة من الندوات الفكرية والمحطات الاستذكارية، وحتى سيرة الشخصيات اللبنانية، التي لعبت دوراً في إرساء هذه العلاقات، وهو ما يوحي تماماً لماذا تمّ اختيار كلمة «نابضة»، لوصف تلك الشواهد التي قدمها المعرض، الذي نُظم لمناسبة اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي.

 

ولأن النبض بالتالي هو نغم الحياة، فإنه يبقى وقعاً حياً للعلاقات بين لبنان والمملكة، ومثالاً يجب أن يحتذى في العلاقات بين دول الأسرة العربية، وخصوصاً في هذا الزمن، الذي يفيض بكثير من الافتئات والإساءة والتجني، من بعض الذين يريدون ربط لبنان بتيار ليس هو منه في الأساس والواقع، وليس من مصلحته قطعاً. يشكل المعرض كنزاً من المعلومات والوثائق والمراسلات الدبلوماسية، التي يفترض أن يعرفها اللبنانيون والسعوديون، وخصوصاً أن بعضها كان محفوظاً عند أصحابها، وكشف المعرض عنه للمرة الأولى، بما يدل فعلاً على مدى الجهد الذي بُذل لجمع هذه الكمية من الشواهد التاريخية، التي يؤكد بعضها أن لبنان نسج أعمق وأصدق العلاقات مع السعودية؛ حتى قبل نيله الاستقلال، وتؤكد هذا مثلاً «وثيقة الصداقة» التي عرضت، والتي يعود تاريخها إلى عام 1936، والموقعة من المندوب السامي الفرنسي بدلاً عن الجانب اللبناني!

 

وتؤكد الوثائق دور الرعيل الأول من اللبنانيين الذين سافروا إلى المملكة العربية السعودية، في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، ولعبوا دوراً مهماً في بلورة أسس العلاقات بين البدين، وحتى على المستوى العربي العام، ولهذا في نظري أهمية كبيرة جداً.

لأن سواعد اللبنانيين وعقولهم كانت نبّاض الورشة السعودية، وفي المقابل كانت قلوب السعوديين ومحبة ملوكهم اليد التي تمتد دائماً لدعم لبنان ومساعدته والحفاظ عليه، حتى بعدما جاء حين من الدهر، صارت تكال الاتهامات والتجنيات عليهم من البعض في بيروت، رغم أن المملكة كانت الشقيقة التي حضنت كل السياسيين اللبنانيين ليصلوا إلى اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية وصار دستوراً للبلاد، ورغم أن الرياض تعالت دائماً عن كل الافتراءات، والدليل العملي أنها رغم كل ما قيل ضدها عام 2006 كانت الدولة الأولى التي قدمت المساعدات لمواجهة العدوان الإسرائيلي، والمساهمة في إعادة إعمار القرى التي دمرها العدو الإسرائيلي.

 

ليست المناسبة هنا للحديث عن المساعدات السعودية؛ بل عن العلاقات المتبادلة وشواهدها النابضة، وقد كانت أكثر من نابضة عندما سارعت بعد عشرة أيام من اندلاع حرب يوليو (تموز) إلى وضع مليار دولار كوديعة في المصرف المركزي، وقدمت هدية بقيمة 500 مليون دولار للمساهمة في إعادة الإعمار، و50 مليوناً للمساعدات الإنسانية، وتولت دفع الرسوم العائدة لتلاميذ المدارس، التي تجاوزت 20 مليون دولار، كما تبنّت إعادة بناء 29 مدينة وقرية دمرتها إسرائيل!

 

لسنا طبعاً في وارد عرض أرقام المساعدات، رغم أنها نابضة تماماً هي أيضاً وتنبع من القلب. ويحضرني هنا حديث للرئيس السابق فؤاد السنيورة، عندما رد على قول حسن نصر الله إن الأولوية للإعمار كانت لإيران، بالقول إنه من أصل المساندات التي تلقاها لبنان، والتي بلغت في مجموعها 1186 مليون دولار؛ بلغت مساهمة السعودية ما يوازي 63 في المائة، أي 746 مليون دولار... فهل كثير إذا تذكّر اللبنانيون لمناسبة إقامة هذا المعرض الثمين، أنه هكذا يكون نبض العلاقات بين الدول الشقيقة، وأنه هكذا يفترض أن تكون العلاقات بين لبنان والسعودية مثالاً للعلاقات بين دول الأسرة العربية؟ كان واضحاً تماماً تركيز الذين حضروا المعرض على صورة الملك المؤسس مع الرئيس كميل شمعون عام 1956، وقول الملك عبد العزيز له: «إن لبنان بلد مميز، واللبنانيون بيت واحد، وعليكم أن تتعاونوا وتكونوا يداً واحدة، وألا تعطوا فرصة لأحد من الخارج لكي يتدخّل بينكم»!

 

هذا هو النبض الأخوي، والمعرض الذي أقيم في قلب بيروت يمثل كنزاً ثميناً من شواهد هذا التاريخ الحافل، الذي سيبقى نابضاً طبعاً، والدليل أنه عندما جاء المستشار الملكي نزار العلولا إلى لبنان في نهاية فبراير (شباط) من العام الماضي، قال كلاماً من فحوى النبض السياسي السعودي حيال لبنان: «السعودية هدفها الأساسي أن يكون لبنان سيد نفسه. هي حريصة على استقلاله الكامل»!