مـرَّةً جديدة، ومن قصر بيت الدين، دعا البطريرك الماروني بشارة الراعي الى تطبيق المادة «95» من الدستور بعد لقائه الرئيس ميشال عون، من القصر الذي كان صاحبه الأمير يطبِّق هذه المادة قبل ولادة الإستقلاليين الجدد.

 

ومـرّة جديدة نطرح مع البطريرك الماروني معادلةً في مستوى المصير.

إما دولة مدنية تلغي الصراع الطائفي، وإمّـا صراع طائفي يلغي الدولة.

ومع أرهب هواجس القلق نذكِّر بالآفـة التاريخية المتوارثة عبر ثنائية قاتلة شديدة الإلتصاق:

_ إزدواجية الولاء الوطني. _ والصراع الطائفي.

أليستْ هذه الثنائية هي الفاجعة التاريخية المستعصية، تتكّرر منذ سنة 1840، عبر حلقات محمومة متلاحقة، حتى انتهـتْ بنا اليـوم شراذم في مـزارع نفتّش عن وطنٍ مجهول الإقامة ومجهول الهوية...؟

أليس أن الصراع الطائفي يحتِّـم الإستنجاد بالأجنبي، والإستنجاد بالأجنبي يعني الولاء لـهُ...؟

منذ أن كان الإستقلال كانت أولى محاولات المعالجة التي عبرّ عنها الرئيس رياض الصلح في بيانه الوزاري الأول: «لا للشرق ولا للغرب»، وأطلق بُنْـيَة الدولة المدنية داعياً إلى: «إلغاء آفـة الطائفية التي تشوِّه سمعة لبنان وتسمِّم العلاقات بين الجماعات الروحية المتعدّدة فيه...»

ولأنّ نداء رياض الصلح تردّد عبَـثاً كالصدى في العقول الصَدِئة، وبعد أقل من خمسة عشر عاماً على الإستقلال كانت محنة 1958 كنتيجة حتمية للنزعة الطائفية وازدواجية الولاء، وبدل أن تـتمَّ المعالجة بنصوص الدستور إنتهتْ بتسوية عشائرية «لا غالب ولا مغلوب».

وسنة 1975، وبعد أقل من سبعة عشر عاماً تكرَّرت المأساة بفعل الثنائية التاريخية نفسها، والعلّة المستعصية نفسها، والطبيب العليل نفسه، فكانت الحرب العارمة التي اجتاحت البلاد تدميراً وتهجيراً، وانتهت باتفاق الطائف الذي حـدّد آلية للعبور من الدولة الطوائفية الى الدولة المدنية عبر تطوير المادة «95» من الدستور.

ولكن... بسبب عدم تطوير المادة الوطنية في النفوس، والمادة العقلية في الرؤوس، وشهوة مادية الجيوب، تقمّصت الطائفية من جديد في صيغة ما سمِّيَ «بالترويكا» التي استفحل معها الإستئثار المذهبي بموارد الدولة ومؤسساتها كأنّها سبايا غزو وغنائم حرب.

 

ولا تزال المادة «95» من الدستور تنتصب كالصنم الوثني أمام مجلس النواب وأمام الطوائف والمذاهب كأنها سلعة تجارية تتم بها المقايضة على غرار ما كان يجري في سوق عكاظ أيام العصر الجاهلي.

العائلات الروحية في لبنان، ليست سِلَعاً وحصصاً تُطْرَح في الأسواق مرهونة للترجيح العددي، إنها قيمة حضارية رائدة لها مدلولها الحضاري في العالم العربي، ولها مدلولها النموذجي في العالم الغربي.

من أجل هذه القيمة الحضارية كان الميثاق غير المكتوب في النظام اللبناني منذ الإستقلال يتقدّم على الميثاق المكتوب.

 

بل... ومن قبل، منذ نظام المتصرفية سنة 1861 حين كانت الغالبية المسيحية تشكّل 85 في المئة من السكان، جرى تشكيل أول مجلس إدارة لجبل لبنان من «12» عضواً مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

 

لماذا لا يُصوَّبُ التمثيل الطائفي في المادة «95» الدستورية بميثاقية مدنية تستند الى الفقرة «ج» من مقدمة الدستور لجهة «احترام المساواة بين المواطنين في الحقوق الواجبات دون تمييز أو تفضيل...» والفقرة «ي» «لا شرعية تناقض ميثاق العيش المشترك...»؟

 

في بلجيكا مثلاً: لأن عدد طائفة «الفالمان» يتفوّق على طائفة «الفالون» كان هناك ميثاق مدني وفاقي يقضي بتوزيع المناصب مناصفة بين الطائفتين... والمثل البلجيكي هذا يقودنا الى مثل آخر يجهله السياسيون السطحيون عندنا، حين استقدم لبنان خبيراً بلجيكياً في أعقاب الإستقلال لدراسة الواقع اللبناني آنذاك، فجاء في تقريره: «كيف يمكن توحيد بلدٍ، الليمون فيه سني والتفاح ماروني والتبغ شيعي والخضار درزي، والزيتون أرتوذكسي والعنب كاثوليكي...؟»

 

وبعد ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن، لا يزال الشجر على مذهبه التعصبي عندنا، وازداد معه تعصّب البشر والحيوان والجماد والنفايات، فإنْ لم يستدرك أصحاب الألقاب والألباب ما تُزلْزِلُ بِـهِ هذه الأرض، فلا يبقى لكل ما عليها ومَنْ عليها إلاّ المحارق.