نبش السفير السعودي في لبنان وليد البخاري تاريخ العلاقات الديبلوماسية اللبنانية - السعودية مستعيداً كل مراحلها وحقباتها، عبر معرض صور فوتوغرافية ووثائق مكتوبة ومرئيّة ومسموعة أُقيم في «بيت بيروت»، بيّن من خلالها أنّ العلاقات الديبلوماسية بين المملكة العربية السعودية ولبنان نشأت عام 1931، وليس كما يُشاع أنها نشأت في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون.
 

وبناءً على هذا المعطى يستنتج البخاري أنّ العلاقات اللبنانية - السعودية هي أقدم العلاقات العربية - العربية، بانياً هذا الاستنتاج على قول لمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود فيه: «لبنان قطعة منا، وأنا أحمي إستقلاله بنفسي، ولا أسمح لأيّ يد أن تمتد إليه بسوء».

 

وتُظهر وثيقة في المعرض أنّ العلاقات بين لبنان والسعودية نشأت يوم كان اسمها «مملكة الحجاز ونجد» وهي عبارة عن «إبلاغ رسمي» وجّهته وزارة الخارجية في مكة المكرمة عام 1350 هجرية الى القائم بأعمال المفوضية الهولندية في جدّة وتضمن الآتي:

«وقّع مندوب مفوض من قبل حكومة جلالة الملك ومندوب مفوض من قبل حكومة الجمهورية الفرنساوية على معاهدة صداقة وحسن تفاهم بين المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها وبين الجمهورية الفرنساوية، واتفاقية أُخرى بشأن العلاقات بين المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها وسوريا ولبنان، وذلك يوم الثلثاء الواقع في 29 جمادى الثانية 1350 الموافق لليوم العاشر من نوفمبر 1931، وسينشر نصّ المعاهدة والاتفاقية فيما بعد. تحريراً في 10 نوفمبر 1931».  

كذلك تظهر في المعرض وثيقة أُخرى صادرة عن الملك عبد العزيز في 31 أيار 1930، متضمّنة تعيين قنصل لمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها في سوريا ولبنان يكون محلّ إقامته دمشق، وهنا نص الوثيقة: 

«من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز ونجد وملحقاتها الى كل من يطلع على هذه الوثيقة تحية حيث إننا رأينا من الضروري تعيين قنصل لنا في سوريا ولبنان يكون محلّ إقامته في دمشق لأجل تشجيع تجارة رعايانا والعناية بشؤونهم ومساعدتهم في مصالحهم القانونية والتجارية، ونظراً لاعتمادنا وثقتنا في نشاط وأمانة محمد عيد الرواف، فقد عيّنا المذكور بموجب هذه البراءة قنصلاً لحكومتنا في سوريا ولبنان، ومنحناه الصلاحية التامة لمساعدة رعايانا الذين يوجدون في تلك البلاد ويزورونها ويقيمون فيها ويتعاطون التجارة معها، كما أننا فوّضناه بالمحافظة على حقوقهم حينما يكونون من حدود القنصلية المذكورة أعلاه، واننا ننصح رعايانا المشار اليهم ونأمرهم بملاحظة ما جاء في براءتنا هذه والإذعان لها بالطاعة.

 

أُعطيت من قصرنا بمكة المكرمة هذا اليوم الخامس والعشرين من شهر صفر سنة ألف وثلاثمائة وتسعة وأربعين (الموافق 21 يوليو 1930)».

 

وقد احتوى المعرض الذي ملأ كل غرف «بيت بيروت» وجدرانه مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية التي تؤرّخ للعلاقات اللبنانية - السعودية منذ فجرها، وإنتشرت صور للملك عبد العزيز مع عدد من الشخصيات السياسية والدينية والفكريّة اللبنانية من امين الريحاني الى رؤساء الحكومات السابقين ومنهم حسين العويني وصائب سلام ورشيد كرامي وصولاً الى رفيق الحريري وفؤاد السنيورة وسعد الحريري وتمام سلام وآخرين، من ثم صور للملك فيصل مع كثير من الزعماء ورؤساء الجمهورية السابقين ومنهم بشارة الخوري وكميل شمعون وسليمان فرنجية، كذلك مفتي الجمهورية الراحل الشيخ حسن خالد، والإمام موسى الصدر، وكذلك صور للملك سعود منها صورة له مع رئيس الوزراء الراحل سامي الصلح خلال زيارته للبنان عام 1955 وصور للملك عبد الله بن عبد العزيز يوم كان أميراً مع الزعيم الراحل كمال جنبلاط عام 1974، وكذلك صورة له مع الرئيس كميل شمعون ومؤسس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل، وصورة تجمعه مع الرئيسين صائب سلام وتقي الدين الصلح.

 

وكذلك صور للملك سلمان بن عبد العزيز في أيام ملكه الآن وأيام إمارته، جمعته مع شخصيات لبنانية منها الرئيس تقي الدين الصلح عام 1973 وصورة تجمعه مع الرؤساء نبيه بري والياس الهراوي ورفيق الحريري اثناء زيارته لبنان عام 1997، وبرزت في المعرض أيضاً صورة للأمير سلطان بن العزيز مع رئيس مجلس النواب الراحل صبري حمادة، وصورة لوزير الخارجية السعودية عمر السقاف يتوسط الرئيسين سليمان فرنجية وصائب سلام.

 

فالمعرض الذي أُقيم تحت عنوان «شواهد نابضة» في تاريخ العلاقات الديبلوماسية - السعودية، لكل صورة فيه أكثر من قصة في السياسة كما على مستوى العلاقات التي تربط السياسيين اللبنانيين بالمسؤولين السعوديين على اختلاف مستوياتهم، وكان لمؤتمر النواب اللبنانيين الذي انعقد عام 1989 في مدينة الطائف وأنتج «وثيقة الوفاق الوطني» المعروفة بـ «اتفاق الطائف» نصيب من الصور التي جمعت هؤلاء النواب في قصر المؤتمرات في حضور المسؤولين السعوديين وعلى رأسهم وزير الخارجية السعودية الراحل الامير سعود الفيصل، ثم لقاء هؤلاء النواب برئاسة الرئيس حسين الحسيني يوم ذاك مع الملك فهد بن عبد العزيز في قصر السلام في جدة نهاية ايلول 1989 بعدما أنجزوا «وثيقة الوفاق الوطني».

 

وللسفير البخاري نظرته وفلسفته للمعرض، إذ يرى أنه «استعراضٌ للعلاقات الأخوية وعلاقات المحبة بين المملكة ولبنان»، مؤكداً لـ»الجمهورية» أنّ في المعرض شواهد نابضة على امتداد المرجعيات السياسية والدينية اللبنانية التي ساهمت في تعزيز هذه العلاقات في مختلف الحقب، ما يؤكد استدامتها، ومن الدلائل على ذلك حضور النائب السابق دوري شمعون ونجله كميل في القسم الخاص بالرئيس كميل شمعون في المعرض، ومشيراً الى أنّ حضورَ وفود أجنبية ومنها وفد إسباني «يعكس الصدى الجيّد للمعرض».

 

ويضيف البخاري: «هذه المبادرة هي امتداد للديبلوماسية السعودية المستدامة في لبنان، والتي تعبّر عن رسالة المملكة ودورها منذ الملك المؤسس وصولاً الى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في تمكين لبنان من نيل استقلاله منذ عقدها الاتفاقية مع الفرنسيين في العشرينات من القرن الماضي. ولذلك فإنّ المعرض يبرز دور المملكة منذ تلك الحقبة في حصول لبنان على استقلاله. كذلك فإنّ المعرض صحّح كثيراً من المفاهيم الخاطئة عن أنّ العلاقات اللبنانية - السعودية نشأت في فترة الخمسينات في حين أنها نشأت في عام 1931».

ويلفت البخاري الى رمزية إقامة المعرض في «بيت بيروت» في محلة السوديكو التي شهدت ويلات الحرب، والتي لعبت المملكة دوراً بارز في إنهائها من خلال إنجاز «اتفاق الطائف». ويختم: «إنّ أهمية المعرض تكمن في أنه يؤكد الانفراج المقبل في العلاقات اللبنانية - السعودية من خلال نتائج الاتفاقات التي ستوقع بين البلدين في وقت ليس ببعيد».