استحقاق لبناني داهم: صدمة التصنيف الائتماني المقبل
 
من المرتقب أن تصدر وكالة التصنيف العالميّة "ستاندرد آند بورز"، في 23 آب الحالي، تقريرها المخصص لتحديد تصنيف لبنان الائتماني. وفيه ستعلن إمّا تخفيص هذا التصنيف إلى مستوى "الخردة"، أو الإبقاء عليه كما هو الآن. ومع اقتراب هذا التاريخ، تحوّل هذا الموضوع إلى استحقاق داهم يقلق جميع المعنيين بالوضع المالي والنقدي، خصوصاً بعد خروج ترجيحات غير متفائلة بقرار الوكالة. وفي الواقع، سيكون التقرير بالفعل منعطفاً أساسياً على المستوى المالي اللبناني. إذ أنّه لن يكون سوى فاتحة لسلسلة من التقارير المتتالية، التي تنشرها وكالات التصنيف والصناديق الاستثماريّة عادةً لتحديث رؤيتها للواقع المالي لدينا.
 
الوكالة تعرف أين يجب أن تنظر!
بعيداً عن تضارب التحليلات اللبنانيّة، لا يبدو أن "ستاندرد آند بورز" ستحتاج إلى كثير من البحث لتختار المعايير التي ستحدد على أساسها قرارها المقبل. فالوكالة، ومنذ شهر آذار الماضي، أخذت قراراً بإبقاء التصنيف عند متسوى (B-)، وهو مستوى "ما قبل الخردة" بدرجة واحدة فقط، لكنّها وفي الوقت عينه خفّضت "نظرتها المستقبليّة" للبنان إلى درجة "سلبي". بمعنى آخر، أرادت الوكالة – في ذلك الوقت- أن تقول بنظرتها المستقبليّة أنّها غير متفائلة، لكنّها أبقت التصنيف على حاله لإعطاء البلاد فرصة محدودة، قبل تخفيض التصنيف إلى مستويات "الخردة". مع العلم أن تحديد النظرة المستقبليّة عند مستوى "سلبي" يعني منح البلاد فرصة سنة كحد أقصى، قبل خفض التصنيف، إذا لم يتم معالجة الهواجس التي فرضت هذه النظرة المستقبليّة.
 
ولتسهّل الوكالة المسألة على اللبنانيين، أعلنت منذ ذلك الوقت المعايير التي ستحدد على أساسها خفض التصنيف، أو الإبقاء عليه. وهكذا حددت عاملين يمكن أن يدفعاها إلى تخفيض تصنيف لبنان الائتماني هما: أوّلاً، احتمال حصول تباطؤ في تدفّقات ودائع النظام المصرفي. وثانياً، إعلان الحكومة عن نيّتها إعادة هيكلة ديونها. أمّا لجهة إمكانيّة إزالة النظرة المستقبليّة السلبيّة والإبقاء على التصنيف الحالي، فقد اشترطت الوكالة حصول إصلاحات ماليّة من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي وخفض مستويات الدين العام على المستوى المتوسّط.
 
ماذا حقق لبنان منذ ذلك الوقت؟
إذاً، سيعتمد تقرير "ستاندرد آند بورز" على هذه المعايير التي تم تحديدها في التقرير الأخير منذ خمسة أشهر. وخلال هذه الأشهر شهد الاقتصاد اللبناني تحوّلات على صلة وثيقة بالمعايير التي حددتها الوكالة. فالودائع المصرفيّة لم يتباطأ نموّها وحسب، بل شهدت منذ بداية السنة انخفاضاً بحوالى 2 مليار دولار. وهو ما أدّى إلى حدوث انخفاضين شهريين في إجمالي الموجودات المصرفيّة.
 
أمّا من جهة إعلان الحكومة نيّتها إعادة هيكلة الدين، فلم تعلن الحكومة حتّى الآن عن أي نيّة صريحة بهذا الخصوص. لكنّ الموازنة الأخيرة نصّت على إصدار سندات دين بفائدة واحد في المئة وبقيمة 12 ألف مليار ليرة، من دون أن يتم الإعلان حتّى الآن عن آليّة هذا الإصدار أو شكله. وهو ما ترك شكوكاً حول إمكانيّة أن تترك هذه الخطوة آثاراً شبيهة بآثار إعادة هيكلة الديون. وربّما لهذه الأسباب بالذات، لقي هذا البند في الموازنة ردود فعل شديدة السلبيّة من قبل صندوق النقد ووكالات التصنيف.
 
ومن ناحية الإصلاحات القادرة على تحفيز النمو الاقتصادي، لم تتمكّن الحكومة من القيام بأي خطوة على هذا الصعيد، خصوصاً أن طبيعة الموازنة التقشّفية لا تسمح بأي هامش من الإنفاق الاستثماري القادر على تحفيز النمو. وعمليّاً، أكّد حاكم مصرف لبنان بنفسه، بعد مرور ستة أشهر من هذه السنة، أن الاقتصاد اللبناني لم يتمكّن من تحقيق نمو خلال النصف الأوّل من العام، وهو ما ينفي تحقيق لبنان أي تقدّم على هذا الصعيد.
 
في المحصّلة، ثمّة تطوّرات مقلقة. وهو ما يدفع اليوم إلى إطلاق كل تلك التحذيرات من تقرير الوكالة. ومع ذلك، ثمّة من يراهن على بعض العوامل الإيجابيّة المتعلّقة بهذه المعايير نفسها، والتي يمكن أن تدفع الوكالة إلى التريّث مرّة أخرى قبل تخفيض التصنيف. وتتركّز هذه العوامل تحديداً على التدفّقات الماليّة التي تمكّنت المصارف من الاستفادة منها مؤخّراً بفضل هندسات مصرف لبنان الجديدة، بالإضافة إلى الانخفاض الذي يشهده العجز المالي الفعلي هذه السنة. ورغم محدوديّة أثر هذه العوامل حتّى الآن، يتأمّل بعض المتفائلين أن تدفع هذه البوادر الإيجابيّة الوكالة إلى منح لبنان مزيد من الوقت، لمراقبة مسار هذه المؤشّرات تحديداً خلال الأشهر المقبلة.
 
"شعارات" المرحلة في مواجهة التصنيفات
بمجرّد ظهور بعض الإشارات التي تدل على احتمال تخفيض تصنيف لبنان الائتماني، من قبل ستاندرد آند بورز وبعدها وكالات أخرى، فرضت الارتدادات في الأسواق الدعوة بشكل عاجل إلى اجتماع مالي في بعبدا قبيل عطلة العيد. وضم الاجتماع الرؤساء الثلاثة وحاكم مصرف لبنان ورئيس جمعيّة المصارف ووزراء المال والاقتصاد وشؤون رئاسة الجمهوريّة، بالإضافة إلى النائب إبراهيم كنعان بصفته رئيس لجنة المال والموازنة.
 
ويبدو واضحاً من صيغة اجتماع بعبدا الموسّعة والطارئة، بالإضافة إلى مضمون التصريحات والتسريبات بعده، أنّ الهدف الأساسي كان تحديد وتسويق "شعارات" المرحلة، في مواجهة تقارير وكالات التصنيف المرتقبة وتداعياتها، وبالأخص تقرير ستاندرد آند بورز المقبل هذا الشهر. وقد ذهبت هذه "الشعارات" باتجاهين متوازيين، فمن ناحية أولى ثمّة إصرار على تظهير جميع العوامل الإيجابيّة، التي يمكن التركيز عليها في هذه المرحلة، مثل إقرار الموازنة وانطلاق خطّة الكهرباء و"العودة إلى إنتظام عمل المؤسسات" و"تنقية الأجواء السياسيّة". ومن ناحية أخرى، كان هناك تركيز على التقليل من شأن أي تخفيض لتصنيف لبنان الإئتماني، والتخفيف من المخاوف من أي سيناريو مماثل.
 
متى نجيب على الأسئلة الفعليّة؟
على أرض الواقع، يعلم المجتمعون في بعبدا أكثر من غيرهم أن وكالات التصنيف تملك معايير محدّدة جدّاً لدارسة أي تعديل في التصنيف الائتماني للبنان. وهي معايير تعتمد على مؤشّرات ماليّة موضوعيّة. وبالتالي، من غير المتوقّع أبداً أن يكون للعناوين العموميّة التي صدرت عن الاجتماع المالي أي تأثير على خلاصات تقرير ستاندرد آند بورز. أمّا من ناحية أثر أي تخفيض في التصنيف الائتماني للبنان، فالمجتمعون يدركون جيّداً تداعيات تصنيفات هذه الوكالات على أسعار السندات، ونسبة الفائدة وخدمة الدين العام، كما على حجم المؤونات المطلوبة من المصارف التي تكتتب في سندات الدين العام. وهو ما يعني أيضاً أن التقليل من شأن تخفيض التصنيف الائتماني – كما جرى بعد الإجتماع- فلا يشكّل استنتاجاً واقعياً.
 
أغلب الظن، هدفت مشهديّة الاجتماع والتصريحات بعده إلى استيعاب أي صدمة محتملة في الأسواق. وبمعنى آخر: لم يكن المطلوب من هذه التصريحات الإجابة على الأسئلة الفعليّة التي تطرحها وكالات التصنيف، بل التعامل مع مخاوف الأسواق من أي تغيير في التصنيف. وحتّى الآن، لا يبدو أن هناك إجابات فعليّة جرى تقديمها أمام الرأي العام لمواجهة مؤشّرات الأزمة التي تتناولها الوكالات أو تقارير الصناديق الاستثماريّة المختلفة. وقد يكون السبب الفعلي وراء ذلك هو عدم وجود أي خطّة فعليّة أساساً للتعاطي مع هذه الأسئلة الشائكة.