لم تكن فكرة إنشاء «مجلس حكماء الجمهورية» وليدة الامس، لكن دينامية الرئيس فؤاد السنيورة نضجت بعد الزيارة الثلاثية للمملكة العربية السعودية، ولقاء الملك سلمان بن عبد العزيز. وكانت للسنيورة لقاءات منفردة مع القيادة السعودية.
 

لا يعني ذلك أنّ السعودية عادت الى لبنان، بل ربما يصح القول إنّ المملكة تنتظر لتعرف ماذا يريد اللبنانيون كي تفكّر في العودة، وبالمقياس الذي تراه مناسباً، في ظل الإنشغال بأزمة اليمن، والمواجهة المستمرة مع ايران.

ولعلّ احتراف الرئيس السنيورة المشهور بالصبر الى حد علك الماء، سيواجه الاختبار الأصعب. فالطريق الى تشكيل «مجلس الحكماء» يتطلب الكثير من الحكمة، والصبر المضاعف، وتوحيد الرؤية، والمصلحة السياسية، لمن يُفترض بهم ان يشكّلوا هذا المجلس، ولا تخفى هذه الصعوبات عن السنيورة. بالنسبة لرؤساء الجمهورية السابقين، كانت زيارة رؤساء الحكومة للمملكة، مؤشراً مجتزأ الى ما يُفترض ان يحصل. فمشهد الرؤساء الخمسة في الرياض بالنسبة لهؤلاء، صورته أكثر وضوحاً من الناحية الوطنية، ولكن لا بأس اذا ما استكمل منحى تشكيل «مجلس حكماء» الرؤساء السابقين، بروحية المشهد الوطني الجامع الحريص على الدستور والجمهورية، وليس فقط بذهنية الدفاع عن صلاحية من هنا وهناك في الدستور، دون مراعاة مبدأ الدفاع عن الكل، في هذا الاطار يصبّ موقف الرئيس ميشال سليمان، اما الرئيس أمين الجميل، فلديه تحفظات من نوع مختلف.

على الصعيد السنّي لا تقلّ مصاعب الوصول الى مشاركة جامعة في «مجلس الحكماء» عن غيرها. فالمصادر المطلعة على موقف الرئيس نجيب ميقاتي تؤكّد أنّه لم يقتنع بالفكرة، على الرغم من انه لا يريد التشكيك بجهود السنيورة. ويرى ميقاتي أنّ هذا المجلس سيكون اصطفافاً جديداً لا يمكن الاقتناع بمردوده السياسي، فالظرف الآن بالنسبة اليه غير مناسب لتشكيل أطر جديدة، وهو يفضّل البقاء على صيغة اجتماع رؤساء الحكومة الثلاثة عندما تتطلب الضرورة اللقاء، وهذا الموقف لا يريده ميقاتي تشكيكاً بفكرة السنيورة، بل هو يتحفظ عن المشاركة بما لم يقتنع به.

بالنسبة للرئيس سلام، الموقف من انشاء المجلس ليس بعيداً جداً عن ميقاتي، فسلام يتحفظ بالشكل عن اطلاق صفة الحكماء على هذا التجمع، ولا يريد ان يشارك في مجلس وصاية، على من لا يحتاج الى وصاية، وهو لا يعترض على ان يكون التجمع عابراً للطوائف، لكنه يسأل باستمرار عن اهمية التوقيت والفاعلية، ويحبذ استمرار لقاءات رؤساء الحكومة كقوة دعم سريع لرئاسة الحكومة في الملمات.

من هذا الواقع، يطلق الرئيس السنيورة فكرته، وهو يجتاز صحراء قاحلة خلت من المعارضة منذ التسوية الرئاسية، التي كان له فيها موقف الاعتراض على انتخاب العماد عون رئيساً، دون ان يفقد صلة الربط مع مشروع الرئيس رفيق الحريري، ومع الرئيس سعد الحريري. ففي هذه العلاقة صمام امان رغم الاعتراض على التسوية الرئاسية، ولا تبتعد التوازنات والحسابات الدقيقة عن التمسك بهذه العلاقة، رغم السعي لتأسيس كيان سيكون له دور كبير في المعارضة.

بالنسبة للجهد الذي يقوم به السنيورة فالواضح انه ينطلق من ضرورة التحرّك بعد انكشاف التسوية التي تحولت الى سعي للقبض على الدولة والدستور وتدمير الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وهذه الاسباب هي التي دعت رؤساء الحكومة لإعلان مواقف متتالية، وهي التي حرّكت مسعى انشاء مجلس حكماء لحماية الدولة من السقوط في يد طرف بعينه وفي يد «حزب الله» على وجه التحديد،علماً انّ الحزب هو الذي يوزع الادوار على حلفائه لتحقيق هذا الهدف.

شكّل السنيورة نواة تشبه اتفاق الطائف، لحماية الطائف، وهو يستمر في التحضير لإطلاق هذا المجلس، على ان ينتهي من الاتصالات بكل الاطراف، ولن يكون هذا المجلس معزولاً عن باقي الأطراف والشخصيات المعارضة، بل سيتكامل معها، مع ملاحظة انّ الوزن السياسي الذي سيحدثه، سيؤهّله لأن يكون الغطاء للكثير من القوى الرافضة للتسوية، لكن دائماً على طريقة السنيورة التي تتجنب الدخول في معارك الهاء جانبية، داخل البيت الواحد.