لا ينبغي الذهاب بعيداً في إعطاء تفسيرات للبيان الصادر عن السفارة الاميركية في لبنان حول حادثة قبرشمون، فمن الواضح أنّ البيان حمل رسائل سياسية ثلاث: الأولى: الحفاظ على التوازنات السياسية في المعادلة اللبنانية، وهو ما يعني رسم خطوط حماية تمنع محاصرة زعيم الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط.

والثانية: الحفاظ على استقلالية المؤسسات التي تؤدي دور ركائز الدولة، وفي طليعتها القضاء، والتحذير من مغبّة التدخلات السياسية والتأثير على عمل القضاة.

والثالثة: تتعلق بالشلل الذي أصاب عمل الحكومة جرّاء استمرار تعطيلها، كون ذلك كان سيؤدي في حال استمراره الى تهديد برنامج المساعدات التي يحتاج اليها بقوة الاقتصاد اللبناني بسبب أزمته الخانقة، وبالتالي انزلاق البلد بسرعة الى واقع الانهيار واحتمالات سوداوية.

لذلك، ربما آثرت وزارة الخارجية الاميركية ومن خلال سفارتها في لبنان إصدار بيانها، وهو الأول من نوعه منذ زمن بعيد، بعد ان بَدا انّ الفرقاء اللبنانيين يندفعون في لعبة التحدي من دون الأخذ في الاعتبار الحسابات الاخرى.

ولكن اللافت انّ «حزب الله» كان قد باشَر حركته في الاتجاه نفسه بعيداً عن الاعلام، وهو ما ادى الى تقاطع في الرؤيا بين الطرفين في هذه المرحلة. فالحزب بعد ان تدخّل لِحَض تيار «المردة» على تأييد ارسلان في التصويت داخل مجلس الوزراء ما يجعله ينقسم الى نصفين متساويين، وَجد أن استمرار التعطيل على مستوى السلطة التنفيذية سيفتح ابواب المخاطر على مصراعيها. فاندفع لتدوير الزوايا، لأنّ الازمة أضحت ازمة حكومة وربما أكبر من ذلك. كذلك لا ينبغي الاسترسال كثيراً في البناء على زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لواشنطن.

صحيح انّ وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو سيعيد طرح الملفات التي كان قد عرضها خلال زيارته المثيرة للبنان، والتي هي معروفة، لكن هذا لا يعني انّ الادارة الاميركية تبحث عن فتح «ورشة» سياسية وأمنية في لبنان في هذه المرحلة. فالاعلان شيء والشروع في فتح ملفات وتنفيذ خطط شيء آخر. ففي الاساس، إنّ الرئيس الاميركي دونالد ترامب مُنشغل في معركة التجديد له، اضافة الى الملف المفتوح مع ايران. وعلى الرغم من انّ وضعه الانتخابي يسجل تحسناً مستمراً، فإنّ هذا لا يعفيه من سياسة حذرة تمنع حصول مفاجآت غير سارّة.

ففي آخر استطلاعات الرأي تبيّنَ انّ شريحة الـ 28 في المئة من الحزب الجمهوري التي كانت معارضة لترامب، عدلت عن موقفها لتصبح من مؤيّدي عودته، وهو ما يجعل الاغلبية الساحقة من الحزب الجمهوري تصطفّ خلفه.

وفيما يرفع ترامب ورقة الاقتصاد وارتفاع معدلات النمو، فإنّ فريقه باشَر حملته على قاعدة انّه الرئيس الاميركي الوحيد الذي يَفي بوعوده الانتخابية. في المقابل، فإنّ المرشح الديموقراطي جو بايدن هو الوحيد الذي يمتلك شعبية قادرة على منافسة ترامب، ولكنه يفتقد للأفكار الجيدة والجذابة.

لكنّ ترامب ما زال يفتقد انتصاراً خارجياً حيث ساحة الشرق الاوسط مفتوحة أمام كل الاحتمالات. وهذا بالضبط ما يفتح الشهية للاستنتاجات والتحليلات والاجتهادات في لبنان، ففي اليمن انقلاب كبير وتَحوّل صامِت في المواقع والمعادلة الخليجية. فيما السؤال ما اذا كان ذلك يحصل لقناعة بعض الاطراف انّ الكباش الاميركي - الايراني بات في نهايته، وانّ مفاوضات التفاهم بين واشنطن وطهران لم تعد بعيدة، وهو ما يستوجب ترتيب الاوراق والساحات؟

وفي شمال سوريا تفاهمات اميركية - تركية حول المنطقة العازلة، في موازاة بدء معركة تقطيع أوصال إدلب. صحيح انّ هذا الواقع يدفع في اتجاه تثبيت واقع جغرافي جديد، لكنّ السؤال عن القدرة في تثبيت النفوذ التركي في المنطقة العازلة وسيطرة دمشق بالتعاون مع ايران وروسيا على إدلب كاملة.

والأرجح أن تواجه تركيا حرب عصابات في المنطقة العازلة، وأن يواجه الجيش السوري حرباً شرسة في ادلب. في المقابل، يقرأ كثيرون في قرار الرئيس التركي وضع خطة بنقل 700 ألف سوري من تركيا الى مناطق سيطرة «قسد» شرق الفرات، التحضير لحرب عصابات موازية من خلال عائدين سوريين مرتبطين بتركيا.

والأهم من الخليج واليمن وسوريا، الانتخابات الاسرائيلية الحساسة، والتي ستجري في شهر ايلول المقبل، والتي لا يبدو فيها نتنياهو مرتاحاً، أقلّه حتى الآن. ذلك أنّ سقوطه سيعني إسقاط مشروع «صفقة القرن» نهائياً، ما يدفع بالرئيس الاميركي مَنح نتنياهو هدية انتخابية جديدة بالاعتراف الاميركي بالسيادة الاسرائيلية على المستوطنات في الضفة الغربية.

وهذا الواقع يرفع مستوى الحذر لدى الاطراف في لبنان، وليس بالصدفة إعادة تحريك الواقع الفلسطيني فيه بدءاً بملفات العمل وصولاً الى الملفات الامنية.

وليس سراً انّ البحث في مشروع ترسيم الحدود البرية والبحرية تجَمّد بسبب الازمة الحكومية الاسرائيلية والعودة الى الانتخابات. لذلك، سيعود المبعوث الاميركي ديفيد شينكر الى لبنان الشهر المقبل. فالملف مرتبط بصورة الوضع في اسرائيل. أضف الى ذلك احتمالات الدخول الاميركي الى صلب ملف الغاز البحري اللبناني من خلال شركات اميركية.

ولا شك في أنّ الرئيس الحريري سيستفيض في بحث هذا الملف خلال زيارته واشنطن، مع الاشارة الى انّ الوزير جبران باسيل كان قد بحث فيه مع مسؤولين أميركيين معنيين، ولكن بعيداً عن الاعلام، خلال زيارته الاخيرة للولايات المتحدة الاميركية.