قبل أن نقول لك ولأهلك وأحبابك وشقيقتك وأشقائك الله يرحم روحك الطيبة والمناضلة واللبنانية المظلومة يا حسين فشيخ... يجب أن نقول الله يرحمنا ويحرمنا من جميع هؤلاء السياسيين المتملّقين والمعزّين والوطنيين والإنسانيين والطيّبين والعنفوانيين الذين تهافتوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي يكتبون ما يُدمع العين برحيلك، أو أيقظوا سكرتيراتهم بعد منتصف الليل ليبعثوا برقية تعزية تهزّ بكلماتها بدن الأوطان، أو ارسلوا سائقيهم وحرّاسهم الشخصيين بطقّة شمس آب ليختاروا إكليلاً أبيض مثل أخلاقهم يضعونه حول نعشك.

أين كان هؤلاء جميعاً قبل أن تسافر؟ أين كانت وطنيتهم وإنسانيتهم، أنت وتودّع بلدك مرّة جديدة بحثاً عن لقمة عيش حلال حرموك منها؟ أين كان المتملّقون السياسيون عندما كنت تفطر يومياً مرارة الغربة، وتتغدّى ألم البعد، وتتعشّى الوحدة على أفضل سرير تمكّنت أن تستأجره؟

أين كان هؤلاء الذين كانوا السبب، أين كانوا هؤلاء الذين قتلوك ومثّلوا بجثتك، والآن يختارون كرافاتاتهم ليمشوا بجنازتك؟ حسين فشيخ مات مقتولاً من طبقة سياسية فاسدة، لا تترك وظيفة إلّا للمطبّلين لها والمهلّلين. مات مقتولاً من طبقة سياسية عاجزة، لا تبذل مجهوداً لتطوير صناعة أو زراعة أو تجارة أو مؤسسات تستر جوع الشابات والشبّان اللبنانيين. مات مقتولاً من طبقة سياسية هزيلة لا ترى أبعد من منخار طائفيتها ومحسوبياتها وميليشياويتها.

 

مات مقتولاً من طبقة سياسية مشغولة بمقابر الماضي ولا تريد فتح طاقة على المستقبل. حسين فشيخ مات مقتولاً برصاص طبقة سياسية تتقن فن القتل على الهوية والطائفة والتزلّم والتبعية والخضوع والخنوع وإعلان الولاء الأعمى. حسين فشيخ قتله جهل وتخلّف أولئك المؤتمنين على حياة اللبنانيين وكرامتهم ولقمة عيشهم وأمنهم وامانهم ومستقبلهم.

شهيدٌ؟ كلا. فقيدٌ؟ كلا. ميتٌ؟ لا تهمّ التسمية التي سنطلقها على حسين اليوم، طالما أنه عاد إلى حضن أمه جثة بعدما ضحّى بكل ما عنده ليطيل عمرها. وماذا تنفع الشهادة خطيبته، طالما أنّ عريسها الذي تشرّد ليجمع ثمن فستانها الأبيض وسعر كنباية لصالون بيتهما ذهب إلى جنّة وتركها في جحيم؟

هل نخفّف الألم عن أنفسنا عندما نقول حسين فشيخ بطل، هل نخفّف حزننا عندما نتذكّر أنه مات فداء لشابة وشاب حاول إنقاذهما من الغرق قبل أن يجرفه التيار ويخنق أنفاسه؟ وإذا كان حسين بطلاً، فماذا نقول عن الآلاف المتراصفين على مداخل السفارات في بيروت، وماذا نقول عن الآلاف المهزومين مع شنطهم في ممرات مطار بيروت، وماذا نقول عن مئات الآلاف المتشرّدين في بقاع الأرض ومجاهلها بحثاً عن سقف لا يخترقه رصاص طائش، وباب لا تخلعه الزعرنات، ومدرسة أو جامعة غير متخصّصة في الذبح، ومستشفيات تنظر للإنسان قبل محفظته، ومؤسّسات لا يدير مديرها الزعيم، وطرقات وبنى تحتية وكهرباء واتصالات غير مصابة بالعجز الجنسي؟.. ماذا نقول لكلّ هؤلاء الهاربين من أنفسهم بحثاً عن أنفسهم، الهاربين من جوعهم إلى جوع أكبر، ومن غربة في وطنهم إلى غربة أعظم، ومن امان منازلهم إلى أمن دولة تحترمهم كبشر وليس كغنم؟ هؤلاء جميعهم أبطال، وحسين فشيخ بطل، وحتى نحن القابعين هنا، أبطال بوجعنا وقدرة تحمّلنا وقلقنا وخوفنا، لكن لا أحد يتحدّث عن بطولاتنا طالما أنّ الزمرة الحاكمة تجترح البطولات، وتعرف من حين لآخر كيف تقفل قبراً لتفتح قبرشمون.