لقد ادرك الجميع ان المنطقة التي تعج بصراعات دولية، لا سقف لها، هي مستهدفة لاغراض استراتيجية، ابتداء من منطقة الخليج وصولا الى البحر الابيض المتوسط.
 

بعدَ أكثر من شهر وعشرة أيام على حادثة قبر شمون، تصاعدَ الدخان الأبيض من المساعي الماراثونية التي أسفرت عن فكّ أسر الحكومة التي اجتمعت بعد تعطيل جلساتها بسبب الانقسام الحاد في الموقف حول وجهة السير القضائية التي يجب أن يسلكها التحقيق في الحادثة. برعاية الرؤساء الثلاثة، اجتمع النائب طلال أرسلان وغريمه النائب السابق وليد جنبلاط في قصر بعبدا أمس، ليتصالحا بعد الجريمة.

بناءً على ما سبق، لم يَعُد مُجدياً إنكار حقيقة أنّ نظام القيادة الجماعيّة تحت أيّ مُسمّى كان، والمُتَّبَع في لبنان بعد اتفاق الطائف، قد فشل فشلاً ذريعاً في إنهاء الحرب الأهليّة ودفن أسبابها، وهذا الفشل ثابت بالتجربة ومستمر بالتكرار، كما أنّ التسويات، التي عُقدَت بعد الطائف إلى اليوم، لم تنجح في معالجة الأزمات المتدفقة والحروب الصغيرة والخطيرة الناشبة جرّاء تداعياتها، لأنّ كل تسوية منها كانت مُجرَّد استراحة محارب فرضتها ضرورات التبريد المؤقَّت، لأخذ نَفَس بين أزمة وأخرى، لضمان استمرار الصراعات في مسار تدميري بطيء.

 ويعود السبب الاساس في ذلك الابتعاد عن تطبيق الدستور والتطبيق الاستنسابي لاتفاق الطائف ، بالاضافة الى محاولات فرض اعراف جديدة بحكم الامر الواقع .

حاليّاً، وبعد استنفاذ كل الوسائل الدستوريّة والتوافقيّة والدكتاتوريّة والشخصيّة، وتقدّم الأزمات وكثرة المحاربين وعدم أهليّة معظم الطبقة السياسيّة، وقبل أنْ تنسحب مخاطر نتائج الصراعات الإقليميّة المرسومة على وحدة البلد، يبدو أنّ السؤال الاساسي اليوم ماذا بعد مصالحة بعبدا .  أياً كانت الاعتبارات والأسباب الدافعة الى تأخير الحلول او عرقلتها، فإن المتضرر الرئيسي من ذلك، هو لبنان الدولة والشعب وعلى كل المستويات  السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والمعيشية، بل والوطنية.

اقرا ايضا : دفاعاً عن وليد جنبلاط

 

 

وكل الدلائل تشير الى ان انجاز المخارج المطلوبة وعودة الامور الى وضعها الطبيعي ابتداءً من استئناف الحكومة جلساتها المطلوبة بإلحاح، وبشبه اجماع وطني، لم تكتمل شروطها بعد. والأعين ترقب ما يجري في المحيطين الدولي والاقليمي، خصوصاً، بعد البيان الذي صدر عن السفارة الاميركية في بيروت ليبنى على الشيء مقتضاه، من دون ان يعني ذلك كسر الجرة بين الافرقاء المعنيين وما يمثلون. 

لقد ادرك الجميع ان المنطقة التي تعج بصراعات دولية، لا سقف لها، هي مستهدفة لاغراض استراتيجية، ابتداء من منطقة الخليج وصولا الى البحر الابيض المتوسط.. اغراض بعيدة المدى قد يكون من بينها اعادة رسم خريطتها من جديد على ما ساد قبل نحو عام من سيناريوات.. وتأسيساً على هذا كانت مبادرة اللقاء الرئاسي والوزاري في القصر الجمهوري. وهو برأي البعض لقاء مصارحة اكثر منه مصالحة. صمود وليد جنبلاط أمام حملة الضغوط التي مورست عليه، حالت دون الاستمرار في عملية حصاره واضعافه، وعامل الوقت كان لمصلحته، بعدما نجح بحدود ما في نقل المواجهة من الدائرة الدرزية الى دائرة وطنية، عبّر عنه التفاف العديد من القيادات السياسية حول موقفه مما جرى في حادثة قبرشمون.

لم ينته الحساب السياسي بالطبع، طالما أن التربص مستمر، في ظل انعدام الثقة المتبادلة بين الأطراف المعنية في هذه الأزمة، فالحلّ فرضته موازين قوى لا يبدو أنّ ثباتها سيستمر طويلاً، فخيار التفجير في لبنان وقلب المعادلات السياسية، يقع ضمن الحسابات الايرانية، كإحدى أوراق القوة الايرانية في هذا البلد وعلى حدود اسرائيل، واذا كانت واشنطن مستمرة في السير في طريق العقوبات كبديل عن الحرب العسكرية، فان ايران لن تبقى مكتوفة الايدي أمام خنقها مالياً واقتصادياً، وسترد عسكرياً في حال لم ينجح مشروع العودة للتفاوض مع اميركا. الاختبار اللبناني من خلال ما أحاط بقضية قبرشمون، كشف حتى الآن، رسم خطوط حمر في المعادلة الداخلية وليد جنبلاط واحد منها على الأقل فرضتها المظلة الإقليمية والدولية على لبنان، هذه الخطوط لم تكن لترسم، من دون المعركة السياسية التي خاضها جنبلاط، في مواجهة عملية قضم نفوذ زعامته وتطويع خطابه المستمر منذ الانتخابات النيابية العام 2018 على الأقل. من هنا، ان ما جرى وتم التوصل إليه في هذه الصيغة ولقاء بعبدا، وإن لم تكن ثمة مصالحة بل مصارحة قد تؤدي لاحقا إلى ميني  تسوية، لأنّه في الوقت الراهن وفي الظروف الاستثنائية الداخلية والإقليمية والدولية لا مجال لاشياء اخرى، وقد يكون المطلوب اليوم عودة طاولة الحوار في قصر بعبدا لأنّ يبقى الأكيد أنّ ما تشهده الساحة اللبنانية من شحن متزايد ومتصاعد على أكثر من مستوى، لا يخدم البلد في وقتٍ يدرك المتخاصمون أنّ الانهيار شبه حتميّ، وأنّ الإنقاذ لا يحصل إلا بتضامنهم، ولو بالحدّ الأدنى.